تلك القلوب الغضّة ...
قصة ، بقلم : جاذبية صدقي
السيدة جاذبية صدقي نزيلة لبنان هذا الصيف حائزة جائزة القصة القصيرة في مصر لعام ١٩٥٥ ، بين ٢٨ متقدم ..
تلقت دراستها في الكلية الاميركية ولها اربع مجموعات قصصية هي : « انه الحب » ، « بكى قلبي » ، « مملكة الله » و « ستار يا ليل » .
والسيدة صدقي عضوة في « نادي القصة » المصري و« جمعية الادباء » التي يرثها الدكتور طه حسين . ولها صالون ادبي يضم حلقات الادباء كل مساء ثلاثاء
تجنح السيدة صدقي في قصصها الى تحليل مشاعر المرأة الشرقية ، والكشف عن مكنونات ذاتها التي ما زالت تعاني الكبت والانطواء .. ولعل القاصة في بعض الاحيان تطفر طفرات تقدميّة سريعة تتعدى معها الحدود ..
قصة « تلك القلوب الغضة » نموذج حي لقصصها .
الليل .. الليل .. الظلمة .. العتمة .. والسكون كعفريت كبير أخرس يعربد في القصر الواسع من أوله لآخره .. تكاد ترى خياله مجسماً في حجرة أمي ، وحجرة « أم وهيبه » مربيتنا العجوز ، وحجرتي انا و « سامية » أختي ، وحجرة المائدة القاتمة .. بكراسيها الثقيلة ومائدتها المستطيلة .. وتلك المرآة الهائلة باطارها المذهب والتي تغطي الحائط .. ولدت .. وكبرت .. فوجدتها في تلك الحجرة .. لم وضعوها .. لست ادري . ربما ليرى الاكل نفسه فيها فيذهب من بعض عاداته .. يخفف من حشو شدقه مثلاً . او لا يخرج لسانه كالحرباء يلفه على الأكل وهو بعد في الشوكة ..
والعفريت الكبير .. ذلك السكون الأسود .. ينزلق كل ليلة على درابزين السلم الخشبي المكسو بسجادة قطيفة .. من الدور العلوي الى الدور الأرضي .. حيث حجرات لا عدد لها .. أعدت خمس منها لاستقبال الضيوف .. وواحدة لتتلقى فيها دروس الموسيقى . فهناك الى جانب « بيانو » اختي ، ثم
منضدة من الخزف عليها « الكمنجة » التي انسى وانا في احضانها .. او هي في احضاني الدنيا ومن فيها . كما وضعوا لمدرستنا اريكة وثيرة وكرسيين ..
حبيبتنا .. تلك الحجرة .. نحبها اكثر من حجرة نومنا حيث كتبنا ، والعابنا .. ومجموعات ومجموعات من صور الذين هممنا بهم حباً من الممثلات والممثلين . ولكن حجرة الموسيقى هي قرة عيوننا وحبة قلوبنا .. الهب حرماننا منها تعلقنا بها لأن امي لا تسمح لنا بالعفرتة في البيت الا بنظام موضوع .. ندخل حجرة الموسيقى ساعة بعد الظهر للتمرين فقط .. ولكن .. ايكفي ذلك الأمر الصارم .. وتلك الأكف السخية التي تنهال على ذراع العاصية منا . لصد جنيتين في العاشرة والثالثة عشرة من عمرهما ؟ ..
كلا .. والله .. كأسطورة الغول الذي سمح لأسيرته بالفرجة على كل قصره ما عدا حجرة واحدة نهاها عنها .. فعملت المستحيل وفتحتها ايضاً . كذلك نحن .. تحايلنا بشتى الطرق ، والاساليب والأحاجي .. ننتظر الليل ، الظلمة ، العتمة .. وننسل من حجرتنا .. وفي كف كل منا شمعة ضئيلة تتراقص على نورها اشباح من الجدران ، وتبدو قسمات كل منا شديدة الصفرة كالأموات في عيني اختها .. قسمات مرعبة تتلاعب وتتداخل كأنها صورة في ماء .. وتتساقط قطرات الشمع السائل على اصابعنا تلسعها .. فنتأوه في صمت .. شأن غزاة فاتحين يتحملون
٣٧