شفناها بها فتضغطها في حين يتقلص جسمها ويتلوى ، وهي تتصنع التمنع ، تدعي التملص بمن ؟ من ماذا ؟ .. لم اعرف قط .. فاضرب يدي في جيبي اخرج قطعة حلوى اقضمها واقرضها ، انفث فيها غمي .. لا بد انها جنت .. اختي تلك ..
واليوم الذي هبطت علينا فيه .. هكذا فجأة .. عمة لنا اسمها « نبوية » من الزقازيق .. هو الآخر يوم عجب ..
كان الوقت بعد الغداء ، فترة هادئة دائماً في بيتنا ، لأن أمي تحب النوم فيها ، وعلينا انا واختي ان نأخذ نفسينا بعيداً ، ونمتنع عن الجلبة والضجيج ، وكنا جالستين في امان الله .. في حجرتنا .. انا مفترشة الارض ومنهمكة في اصلاح سيارة من الصفيح .. لعبة .. فسدت « فراملها » ، وأختي متوردة الخدين مضطجعة على اريكة بعد احدى رقصاتها الشهيرة ، وقد ارتدت ثوباً ابيض وزينت شعرها بزهرة ناعسة ، وبين يديها كتابها العتيق .. تلتهم التهاماً ما يسره اليها .. ثم ترفع وجهها إلى السقف لحظات .. تهضم ما قرأت ، وقد رأيت الدجاج يفعل ذلك عندما يأكل وتزدحم اللقمات في حلقه .. هل تشرق اختي بأفكارها ؟ ..
اندفعت ام وهيبه تقتحم علينا حجرتنا .. ساعة الظهيرة تلك وراحت تفأفئ وتتأتى .. مضطربة تنبئنا بقدوم ضيوف عمتنا نبوية و .. وصلاح .. ابنها ، ما العمل والست الكبيرة نائمة ؟ ..
وانا احب الناس بطبعي .. افرح بزياراتهم ، وبوجوههم المشرقة الجديدة علينا ، وبما يجلبونه من اخبار وحكايات تبعث في الجو حياة .. كأنما فتحنا
النافذة لنسمة طلقة تجدد هواء بيتنا الراكد ، فصحت فرحة وانا أقفز :
- أهلاً وسهلاً .. مرحباً .. الف مرحب ..
واستدرت لأركض احيي الضيوف عندما ألقت ام وهيبه بنفسها علي تتشبث بكتفي :
- تعالي هنا يا بنت .. إلى اين . بشكلك هذا ؟ . وجهك كله بقع شحم وزيت .. وبنطلون .. بنطلون صبياني وقميص مفتوح عن صدر عار كله عضلات كالفتوة ..
وضربت كفاً بكف في يأس وهي تنظر إلى ربنا :
- حكمتك يا حكيم ..
وجذبتني في ذراعي إلى الحمام حيث دست رأسي بشعره القصير في الحوض واطلقت عليه الماء ، وراحت تدعك ، وتحك وتبرطم :
- أكان ربنا سيخلقك ولداً . ثم غير رأيه آخر دقيقة ؟ ..
ونظفتني ، وادخلتني في ثوب حريري بمي . وسجنت قدمي في جورب وحذاء لماع . وأعملت الفرشاة الخشنة في شعري حتى التصق بجمجمتي ، ودست في يدي منديلاً نظيفاً في احد اركانه كلب مطرز بخيط احمر ، ثم اطلقتني .
فاندفعت إلى الضيوف اتعلق بأعناقهم واوسعهم تقبيلاً كأني اعرفهم طول عمري ، مع انها المرة الاولى نرى فيها عمتنا هذه ..
اما اختي .. الوردة البيضاء الرقيقة .. فقد تهادت داخلة ووقفت تبتسم برقة امام عمتي وابنها .. فراحا يحملقان فيها مشدوهين ، في حين صاحت عمتي وهي
تزجني إلى جنب وتفتح ذراعيها لتطويها على سامية :
- صلاة النبي .. صلاة النبي .. اهلا بعروس ابني ..
فاحمر وجه صلاح من شدة السرور وأطرق .. يختلس نظرات فرحة إلى عروسه التي رمقته بنظرة من طرف عينيها الحلوتين .. نظرة قصيرة فيها دلال ولكن فيها أيضاً مكر .. لمحته وانا ارقبها لا تفوتني منها ومضة عين .. نظرة شملته .. تقيسه من شعره الذهبي إلى حذائه ..
وكانت عمتنا هذه قد غضبت لزواج اخواتي الكبريات لأن لها اولاداً، أحق ببنات خالهم من الغرباء ، فلما لم يتبق الا سامية وانا .. اسرعت تحجز سامية لابنها الاصغر قبل ان ترسله إلى اوروبا لاتمام دراسته ..
وسدى حاولت امي التخلص من ذلك العهد .. الرباط .. لم تسعفها لا لباقتها ولا ادبها .. البنت صغيرة بعد .. طفلة في الحقيقة .. لا .. لا .. والله .. طفلة ؟ من يقول ذلك . اسم الله عليها عروس .. بدر تمام .. وابني سيتغيب خمس سنوات ، تكبر فيها يا ستي .. نطول بالنا .. أبداً مستحيل .. لم ؟ البنت بنتي .. والولد ابني . وهما الاثنان على كل حال اولادك يا هانم .. ثم تنحنحت عمتنا، وتململت في كرسيها: هذا اذا كان انت لك غرض .. طبعاً .. من يوم موت اخي الله يرحمه لم تعد عين . لسنا قد المقام ..
فاسرعت امي تقاطعها :
- لا تقولي ذلك . الدم واحد
( البقية على الصفحة ٥٤ )
