كان على هذه الصغيرة الوحيدة ، الطربة الزغب ، المهيضة الجناحين ، العملاقة التفكير ..
كان عليها ان تعيش كيفما اتفق ، لان العيش محتوم عليها ويا للاسف ، ولان في ذلك - كما يبدو - صوابا لا بد لها من الانحياز اليه ، شاءت ذلك ام ابت .
كان عليها ان تعيش حياتها مهما كلفتها نفسها من عنَت وتأتّي ، وكان عليها كذلك ان تعد نفسها لهذه الحياة اعداد من اصر على امر لا بد له من تنفيذه .
ملقية بما في عقلها الناسخ من رواسب الكوارث المتتابعة ، مفيئة الى واحة عمتها - الهام - التي طالما شدتها منذ ان كانت طفلة تحبو -- بسماتها المميزة --
كما تفيء صغار الدجاجة الى جناحي امها الدافئين . وهي ما اعطتها هذه الثقة البالغة ، لو لم تعجب اعجاباً بالغاً بروحها الثورة الدائبة الانتفاضات ، المليئة بالحنان الجزل
هذا الحنان الذي تحمله لكل ما هب ودب على الارض فكأن قلبها على صغره ، قد وسع الدنيا وما في الدنيا جميعا لذلك كانت تراها مفعمة الروح ابداً بكل ما يتاح لها من تجارب ، موفورة النشاط لتلقي القيم التي لا يأبه بها احد ، وان كانت تعلم مقدماً ان نتائجها قد تكون غير ايجابية دائماً فهي كانت تعتقد مثلا بان الجمال كل الجمال في ان يعطي المرء دون ان يأخذ
وان الكمال بجملته ، هو الايمان الخارق بخالق واحد مقتدر وان الحق الذي لا مراء فيه ، هو الا تتيح لنفسك اكثر مما تقدر ان تتيحه للناس من طمأنينة وهناءة .
وان الخير في ان تفعله دون ان تمن به حتى على نفسك لترضي انانيتك
وان المحبة تسبيح ازلي ابدي ، لا يمكن ان يتدنى الى اسفل
وان السلام في ان يحمل الانسان قلبه على كفه ليقدمه خبزاً طيباً يعيش على فتاته الجائعون
- اجل ، لقد فاءت الى تلك الواحة الظليلة مطمئنة اليها بعض الاطمئنان .
ولكن اعتبارها الشخصي ، الذي الزمتها اياه طبيعتها الخلقية وتربيتها السلمية بما فيها من مؤثرات وتأثرات - كل ذلك ما كان ليتنحى دقيقة واحدة عن انطباعات يفاعتها هذه .
فهما في اخذ ورد ، وجدل مستمر لا يستقران او يتهادنان
يبدو ذلك في هذه التشاؤمية التي لا تكاد تبارح نفسها قليلاً ، حتى تعود فتظهر في اقوى واعنف صورها الساخطة حتى اذا قيض لها ان تهدأ بعد لأي وارهاق اعصاب واستسلام تعب
لاذت صغيرتنا الى سكون طويل - طويل كليالي الشتاء المزمجرة - وتلمست في عتمة الامسيات المقرورة ، ذلك السرير الحبيب الذي كان يبعد عن سريرها خطوتين او ثلاثاً لتنطرح عليه متثاقلة ، باكية ما وسعها البكاء المختنق ، مستكينة الى ذكريات الطفولة « طفولتها السعيدة » ما وسعتها الذكرى المطاطة ،
حتى اذا ما صدف ان القت نظرة عابرة على يديها احست كأنها تتشنجان ، وتحتقان ، وتلتهبان .. تماماً كيدي امها حينما كانت تحت تأثير نوبة الاحتضار ، وكانت هي الى جانبها وحدها لا ثالث بينهما الا اخاها