في المجتمع الاميركي يقال عنها انها متكبرة ... تشاهد على
قدميها الادباء والشعراء ، صغاراً ذليلين .. »
- انا لا يهمني من امرها سوى ان رقصها التوقيعي الرائع
قد فتح امام عيني افاقاً جديدة واسعة في الفن والادب والحياة .
كنت اتوهم قبل ان رأيتها ترقص ولاحظت كيف تعبّر بحركاتها
وخلجاتها عن مشاعر القلب والنفس - كنت اتوهم ان الرقص
« تخروّع وتقصيف خصور وطق حنك ! »
فقاطعني جبران بلهجة الانبياء : .. « ليس الرقص البديع
هو الذي فتح امام عينيك الافاق ... انه جو باريس .. حيث
تلعب اصابع الالهة ! آه ما اسعدنا هنا ! ما ابعدنا عن عالم البيع
والشراء ... وعالم اللاهوت المكفهر ... وعالم السياسة الفاسقة
... لا شك يا يوسف ان الالهة وهبتنا كنوزاً ثمينة علينا ان
نصونها من لصوص الظلام .. »
في صباح اليوم التالي وصلتني هذه الرسالة : « سيدي
العزيز . اذا سمحت لي سأزورك بضع دقائق برفقة صديقة لي ،
صباح الخميس القادم الساعة الحادية عشرة ، لكي نتعرف اليك
ونشاهد اشغالك الفنية . مع الشكر سلفاً ، تفضل واقبل ايها
المعلم العزيز تقديري وسلامي ... ازيدوره دنكن »
وفي الموعد المحدد جاءت الراقصة الشهيرة برفقة صديقتها
فاستقبلتها بثياب الشغل .. سألتني : « المعلم ؟ .. ، ... - « نعم
سيدتي ! » فشهقت عيناها بدهشة ، وتقدمت بعياقة مادة نحوي
يدها الرخمة ... - « انا ازيدوره » ، قالت ، « وهذه صديقتي
مس جوهانس »
واجالت الراقصة نظرها في المكان وهي تخاطب نفسها :
« تماماً كما كنت اتهيأه ... بساطة . رسوم ، كتب .. وزهور »
ثم نظرت اليّ وكلمت رفيقتها بلغة لم افهمها ... وتابعت
بالفرنسية موجهة الكلام لي : « قبل كل شيء قل لي اين هو
لبنان ؟ . هل لديك خريطة ؟ » فنشرتُ امامها للحال خريطة
صغيرة للقارة الآسيوية واشرت بالقلم الى شرقي البحر الابيض
المتوسط . فركزت نظارتيها وراحت تقرأ بصوت عال : دمشق
اورشليم .. ولبنان ؟ اين هو لبنان ؟ لقد قال لي « دنونشيو »
ان لبنان هو موطن ادونيس وانه مظلل بغابات الارز .. »
قلت لها : « هكذا يا سيدتي كانت جبال لبنان في قديم الزمان

اين هو لبنان ؟
ايام ادونيس . اما الان فلم يبق من غابات الارز الظليلة سوى
واحدة صغيرة « مقدسة » في اعالي الجبال .. »
فعلقت مس جوهانس ضاحكة بلهجة طفولية ساذجة : « وانا
الغبية التي كنت اتصور لبنان جبلاً شامخاً وعلى قمته ارزة !! »
ورنت اليّ بعينين من زرقة السماء ... رنوة طويلة فيها معنى
مبهم حلو . »
وسألتني الزائرة الكريمة وهي تتأمل تمثال الراقصة - وانا
اتأمل بعض شعرات بيضاء غزت فودها ، وهالة بنفسجية
حوّطت عينيها ؟ -
سألتني : « قل لي هل شاهدت ازيدوره ترقص اكثر
من مرة ؟ »
- مرات ...
فاردفت وهي تتأمل ذاتها في التمثال دون ان تنظر اليّ :
- « وهل تعرفها بهذا اللباس المدني ... وهل تحبها دائماً ؟ »
وبدون ان تنتظر الجواب راحت تقول : - « ارجوك ان
تريني ما عندك من الرسوم . لقد شاهدت مع احدى تلميذاتي
رسمًا لك اعجبني كثيراً وتولدت في الرغبة لمشاهدة غيره من
— البقية على الصفحة ٤٧ —
٩

