نجحت التجربة واستحق اعضاء لجنة المهرجانات انخسارة تقدير وشكر .
لم نتعود في هذا البلد ان نؤمن بامكانيات الاغنياء ، لان معظم اغنيائنا بعيدون عن روح التضحية والبذل السخي ... ويوم تألفت لجنة المهرجانات وكنا خارجون للتو من ثلاث كوارث وطنية - الحريق ، والغريق ، والزلزال - وقد سئم الناس من استدرار اكفهم واستثارة عطفهم وسؤالهم للتبرع ، المرّة تلو المرّة ... - كل هذه الاسباب جعلت المشرفين على انتقاء اعضاء اللجنة يستهدفون الفئة « الماكنة الظهر » وذات النفوذ المعنوي وتحميلها المسؤولية .
ومن الانصاف ان نذكر لهذه الفئة اندفاعها وغيرتها وسخاءها - يكفي ان نذكر على سبيل المثال ، ان اللجنة جمعت فيما بينها ، وبظرف نصف ساعة ، اربعين الف ليرة !
وبنفوذ اعضاء اللجنة واتصالهم بالمؤسسات والافراد الاثرياء تم جمع كمية اخرى لا بأس بها ، خففت كثيراً من ضغط العجز الحاصل خصوصاً متى علمنا ان النفقات تتعدى مئات الالوف ، بما فيها النقليات والفنادق ...
ومما يجدر ذكره ، ان المهرجانات الفنية التي بدأت متخفية بثوب « تجاري » نزعت اليوم ثوبها هذا ، وقر رأي اللجنة الدائمة على ان تكون هذه المهرجانات « ثقافية » بحتة ، ومجالا رفيعاً لاحتكاك لبنان ومن يؤمه كل صيف ، بارقى العناصر الفنية من مسرحية وموسيقية - وستباشر اللجنة اجتماعاتها منذ مطلع تشرين لاتخاذ القرارات الملائمة والاتصال بالفرق العالمية الكبرى والتعاقد معها
بقيت ثمة قصة - لعلها اطرف ما في هذا الحديث ... انها قصة الفرقة الانكليزية التي مثلت مسرحيتين لشكسبير : « الليلة الثانية عشرة » و « هملت » واللتين لاقتا اكبر النجاح والفوز ...
بدأت القصة في قصر رئاسة الجمهورية وكان فخامته يتحدث عن المهرجانات الفنية والامال التي يعلقها عليها الى السر فرانسيس برايك ، احد الاعضاء المتنفذين في « شركة النقل الجوي البريطانية » ، ولعل الرئيس شمعون شكا للسير برايك ضيق الامكانات المادية وتمنى ، على سبيل التمني ، لو كانت في المستطاع مشاهدة مسرحية لشكسبير في هياكل بعلبك !
بوقتها لم يجب السر فرنسيس برايك الرئيس شمعون بكلمة . ولكنه كان يفكر . وانه لمن ذلك النوع العريق من الانكليز والذين يعملون بصمت على تشجيع ونشر الثقافة ...
وعاد الى انكلترا ... وبعد اسابيع وردت منه برقية الى لجنة المهرجانات ، يستفهم فيها عما اذا كانت ثمة رغبة جدية
باقية لارسال فرقة مسرحية الى لبنان .. وجاء الجواب « نعم » ... وحضر على جناح السرعة من انكلترا الى لبنان ، روبرت اتكنز الذي صار له خمسون سنة يمثل مسرحيات شكسبير ، جاء لمشاهدة المكان والوضع وللاتصال باعضاء اللجنة ، ووافق على اعطائنا عشرة ايام من برنامجه الصيفي ، وتتألف فرقته من ٢٥ ممثل وممثلة .
وكانت مفاجأة سارة عندما تبلغت اللجنة ان لبنان لن يتحمل شيئاً من نفقات فرقة « اتكنز » الانكليزية ، فقد سددها جميعاً السر فرنسيس برايك ، كما وان « شركة النقل الجوي البريطانية » ساهمت في اجور نقل اعضاء الفرقة من والى انكلترا ...
ونروي من باب التندّر ، ان السير فرانسيس برايك ... ابرق الى اللجنة واحتجز مقعداً لحفلة الافتتاح ، ودفع ثمن البطاقة ! وسافر بعد الحفلة مباشرة دون ان يحظى معظم الاعضاء بالتعرف اليه ... وشكره على الاقل !
وتقديراً لهذا العمل الفذ ، كرمت الفرقة الانكليزية اكراماً عظيماً ، باقامة للصيف المقبل .

