مقدمة اصدقائه .
ولحظ يوسف ان شيئاً في صديقه قد تغير ... فهو يأتي الى الخمارة مفكراً مهموماً ويمضي وكأن جبالاً من الهم يرهقه ... ورأى ذات يوم ان يعرف سر تغييره فقال له :
- ايسمح صديقي بسؤاله عما يعنيه ؟
فنظر اليه محمد علي نظرة من يتردد في الجواب ، ثم قال :
- اسمع يا يوسف ... اريد عشرة لاف غرش .
ففتح يوسف عينيه على وسعها وقال :
- عشرة الاف غرش ... وما حاجتك اليها ؟
اجاب على الفور :
- اريد ان احكم مصر ...
يريد ان يحكم مصر ... هكذا بكل بساطة ... وبعشرة الاف غرش ... لا شك في انه يمزح ، او انه مصاب في عقله ، ولكن ايجرؤ يوسف على ان يقول له هذا ؟
واذ كان لا بد من جواب قال :
- بلغك الله امنيتك ... ولكن ...
ولم يدعه الجندي الطموح يكمل ، فقال له :
عليك ان تدبر لي هذا المال ولا عذر لك
وتركه ومضى ...
وراح يوسف الى البيت حزيناً ، وكانت له ام حكيمة ، فسألته عما به ... ولما قص عليها قصة الارناؤوطي طيبت خاطره وقالت له :
- خذ حلاي وبعها ، واعط الرجل ثمنها ، فانا ارى انه سيكون ذا شأن . ولن يضيع جميلك معه
واستعان محمد علي بمال يوسف ... وقام بانقلاب عسكري اوصله الى الحكم
... واراد ارضاء جنوده والخزينة فارغة فامرهم بان ينهبوا الاسواق التجارية الاولى في المدينة ، ولما فعلوا استدعى التجار المنهوبين وتمهد لهم بالتعويض الكامل عن منهوباتهم بعد مضي شهر واحد واصدر اوامره بجمع الاموال الاميرية بسرعة .
وقبل ان يأزف الاجل المضروب كان المنادي ينادي في اسواق المدينة ، داعياً كل من له دين على محمد علي باشا ان يأتي اليه ويقبضه .
وحضر الدائنون جميعهم الا يوسف . وكان محمد علي بانتظاره قبل الجميع ... ولما لم يحضر استدعاه اليه ، وقال له:
- لقد جاء الجميع واستوفوا ديونهم الاك ... لقد كنت صديقاً عندما ادنتني لا دائناً ، ولذا لم تأت ، وهذا ما يحملني على ان اكون صديقاً ، وانا افيك دينك ، فلك اهب منذ الان ايرادات الجمارك المصرية .
قال هذا ، وناوله اشعاراً بان مال الجمارك قد دفع الى الخزينة ... وما اكتفى بذلك ، فتابع : ولا انسى فضل امك ... لقد باعت حلاها لارضائي ، وبفضلها وصلت الى الحكم ، فانا مدين لها به ، وعلى هذا يا يوسف افتح لك باب ديواني ، تدخل علي متى شئت دونما استئذان وكل حاجة لك مقضية عندي ...

