هي تبكي ايضاً .
ولكن كليهما لا تألوان جهداً في ان تخفيا دموعها عن الاخرى .
وكانت ليلة ...
ليلة لا بد لها من مواجهتها .
واستفاقت الصغيرة الغريرة ، على انفاس قوية ، انفاس صارخة متتابعة .
ورأت على ضوء القمر الباهت عيني امها الحائرتين ، اللهفانتين .
فاحتضنتها شاهقة . واخذت بجنون لافح توسعها ضماً ...
ولكن الام لم تقل كلمة واحدة ، ذلك لانها كانت قد استسلمت لاغماءة طويلة ، وقد انسدلت اهدابها الشقر في ارتعاش مجفل .
وتبعثرت خصلات ناعمة من شعرها الذهبي على الجبين الابيض الوضيء ، والعنق الرخامي التي كانت عروقه تنتفض بشدة مع نبضات القلب المحتضر .
واخذت الصغيرة رعشة ...
هل تطرق الباب ؟ هل تنادي اهل المنزل ؟! ـ كلا ... اكيد ...
لتدع هذه المعبودة مستكينة ناعمة بهذا الاغماء الذي تخالها فيه كأنها تسبح في عالم بلوري متشحة بالزهور الفضفاضة وقد خلفت هذه الدنيا وراءها كأنما لم تمرّ بها يوماً : في غير ندم ولا تتريب
وهل من احد يستطيع ان يحوّل ما قدّر ان يكون ؟
بعد ان نفض الاطباء ايديهم من هذا المرض العضال ، يتشبث بالشابة دون ان تأخذه رحمة بها ؟
كانت الدموع تسبح على وجهه الصغيرة ، كما تسبح الافكار في مخيلتها النشيطة الحزينة .
وكانت مسكه باليدين الصفراوين تود لو تنفحهما الحياة بانفاسها اللاهبة .
وتشنجت اليدان ، واحتقنتا ، والتهبتا ، فما ارعوت الصغيرة عن التشبث بها ، وما كفت عن تقبيلهما لحظة ..
وها هي ذي الذكرى الاليمة تعود اليها عنيفة مجلجلة في كل مرة .
وها هي ذي يداها .
اجل يداها هي ... البضتان ، تتشنجان وتزرقان وتلتهبان ، حتى لتخال نفسها تخاف ان تنظر اليهما فتخبئهما وراء ظهرها ، وتحت الوسادة وبين طيات اللحاف ، ولا تكاد تطمئن .
وتروح في نوبة من البكاء الاخرس تجالد نفسها ، وتهدى ثورة شجونها ، وتهدهد تأثراتها المكبوته .
ولا تلبث ان تنسحب الى سريرها الجليدي ، ثم الى خارج الغرفة المختنقة ، لتستنشق شيئاً من الهواء الطلق .
وثمت كانت تلتقي بالعمة ـ الهام ـ تلك القريبة المميزة ، وقد قامت الى صلاتها ليلاً ، فتحييها تلك مستغربة ، في كثير من اللطف ، وقليل من تعنيف المعجب وتسألها ملحة :
ـ هل تسمح لها بالصلاة في غرفتها لتستأنس هي بها ؟
وهناك في غرفتها ، اجل ... كانت العمة تقضي شطراً من الليل في مسامرتها وفي ازجاء الاحاديث الفكهة لتروح بها عن نفسها الجريح .
وهكذا بدأ يعاود الصغيرة شيء من الاطمئنان الى ان في الحياة اناساً
لا تبرح انفسهم نقية ، اذ انهم يزنون الحياة بميزان الروح ، لا بميزان المادة...
وهكذا اخذت الثقة بين صغيرتنا وعمتها تتبادل وتتضاعف حتى غدتا متجاوبين تجاوباً رائعاً
ان لم يكن هو المحبة ، او هو التأثر او هو الالفة ... فانما هو هذا المعدن الثمين ، الذي صبته الوراثة ، في اعماق ارض العيلة يتلاقى في الحين والحين بين شخصيتين متفاوتتي التأثرات والانطباعات والنزعات .
وعلى الرغم من ذلك تجمـع بينهمـا نقطة معينة .
وعلى اساس هذه الثقة المتينة تعلمت الصغيرة الدين ، وتعلقت به ، فصلت مع العمة الهام . وتعبدت ما شاء لها التعبد.
وعرفت الحب ، في انبل معانيه ، فنزّهته عن الصغائر والسفاسف .
وحققت الخلق القويم في الكثير من امورها ، فما سخرته يوماً ، وما سخرت منه وتعلمت قيمة الانوثة ، فعزفت عن كل ما يشينها
وعرفت قيمة العلم . فنهلت من موارده ، وما زالت في عطش لاغب وتعلمت الفلسفة .. فتجادلت مع العمة المتفلسفة وتناقشت ، وشكت ، ثم تطامنت الى الايمان على يدي الهام العجيبة
وعرفت ، اجل ، عرفت اخيراً ، واخيراً جداً : ان الامية لا يمكنها ان تخفي الذكاء الملتهب وان العلم لا يذكي من هذا الذكاء شيئاً .
وانما هو في حد ذاته . معرفة عامة وتوسع آفاق ضيقة .
لذلك كتبت على قبر عمتها لدنْ فجعت بموتها بعد مرحلة من العمر قضيتاها معاً :
( هنا ترقد اول اديبة امية . )
