استوقفتني العبارة التالية في نشرة مدرسية : « نحن ندرّس الانكليزية والفرنسية لاعتقادنا ان ثقافة لبنان متوسطية »
ورأيتني مدفوعة الى سؤال الكاتب عن الغرض من اقحامه الثقافة المتوسطية في اعلان ينطبق على الكثرة من مدارسنا .
ان لبنان كغيره من الاقطار التي تجتاز عهد تطور ثقافي ، يحاول ان يبني لنفسه ثقافة مستمدة من ماضيه ومن علوم الغرب وفنونه . فهل يقصد الكاتب ثقافة لبنان القديمة ام الحديثة ؟
اذا عنى الماضي ، فان ثقافتنا الماضية هي خليط من ثقافات الشعوب الفاتحة التي تعاقبت على شواطئ المتوسط والتي تدل عليها آثار المتحف في بيروت ( آثار فينيقية ، مصرية ، آشورية ، كلدانية ، يونانية ، رومانية ، بيزنطية ، عربية ) وهذا الخليط لا يدل على ان ثقافتنا متوسطية فحسب .
واذا عنى الحاضر ، ففي قوله « فرنسية وانكليزية » ما ينقض الفكرة المتوسطية . لأن الثقافة الانكليزية او الانكلو - سكسونية لا تُعَدّ متوسطية بل هي ذات طابع يميزها عن سواها من ثقافات ساحل اوروبا الجنوبي ، وان كان التفاعل قويا بين الكتلتين .
واذا افترضنا ان ثقافتنا كانت متوسطية فيما مضى ، أمن الضروري ان تبقى كذلك في عصرنا الحالي الذي تُعَدّ اظهر ميزاته تمازج الثقافات والعناصر وتقارب الشعوب والمدنيات ، حتى يكاد يصبح لجميع العالم المتمدن ثقافة واحدة وإن اختلفت اللغات ؟
وهل نحن الذين ننتخب ثقافتنا ؟ ام تفرضها علينا الظروف ؟ هذا السؤال يقودنا الى مشكلة حرية الانتخاب عند الشعوب ويجعلنا نتساءل عن مقدار هذه الحرية .
ان الثقافة الفرنسية تفرض ذاتها علينا بحكم الجوار والتاريخ والدعاية وسهولة الانتقال ، كما ان الثقافة الانكلو اميركية اخذت تفرض ذاتها علينا ايضاً لعوامل اقتصادية وسياسية وغيرها ، ولا ننفرد نحن بهذا الأخذ بل ان هاتين الثقافتين هما في العصر الحالي اوسع الثقافات انتشاراً وأسهلها مأخذاً . ومن البديهي ان تتسربا بسهولة ، مع ثقافات اخرى اقل انتشاراً ، كالايطالية والاسبانية والالمانية وربما الروسية ، الى قطرنا الواقع على مفترق القارات .
يحضرني هنا قول لغاندي : « اريد ان تهبّ على بيتي ثقافات كل الامم بكل ما امكن من حرية ولكني انكر على اي منها ان تقتلعني من اقدامي » .
يستطيع ان يردد هذا القول كل اوروبي . لأن ثقافة الاوروبيين لم تترك معيناً الا اغترفت منه ، من فن الزنوج والهنود الحمر الى فلسفة الهند وآداب الصين واليابان . لكن ميزة الاوروبيين تقوم في مقدرتهم على صهر العناصر التي يستمدونها من سواهم وتذويبها في بوتقة واحدة حتى تندمج اندماجاً تاماً بثقافتهم وتصبح جزءاً منها .
اذ ليس الخطر في الاخذ والاقتباس ، ولا في تعدد مصادر الثقافة . بل الخطر في اقتباس لا يعقبه هضم ولا تمثيل . والخطر في ان نصبح مفتونين بثقافة واحدة تسيطر علينا حتى تفقدنا شخصيتنا .


