

... اضفتُ المئتي دولار الى ما كنت قد ادخرته من نقود للقيام برحلة تنزه كنت قد تعودتها في شهر آب من كل صيف . فزرت بعض مدن المانيــا والنمسا ووصلت الى اسطنبول فوجدت في انتظاري رسالة من جبران يقول فيها :
«... انت بالطبع مسرور في مدينة القياصرة والسلاطين ، الواقفة كعلامة السؤال بين الشرق والغرب . وكيفما تحولت الامور فانت ستعود من لحد السعادة مملوءاً من اشباح الاجيال الغابرة وخيالات الامم الحاضرة ...
« في الاستانة اشياء كثيرة تستدعي الدرس وتستلزم التأمل اخص منها الكنائس والجوامع القديمة حيث النقوش البيزنطية والرسوم التي تقدمت عهــد النهضة الايطالية .. فاياك ان تترك الاستانة قبل ان تدرسها جيداً . ولا شك بان المتحف السلطاني حاوٍ على آثارات يونانية ورومانية
نفيسة فانظرها واذكرني عندما تقف امام شيء هائل بجماله وجميل بهوله ..
« و كيف وجدت السوريين في الاستانة ؟ هل وجدتهم من الاحياء المتحركين ام من الاموات الجامدين ؟ السوري يا يوسف نعجة في بلاده وأسد في الغربة . فان صح هذا الكلام عن سوريي الاستانة فبشر سورية بفوز مبين .. »
هنا سأمر خطفاً دون التعرض لشيء بما كنت اشاهده من روائع اثناء سفرتي الى الاستانة وسواها . غير انني كنت على اتصال دائم بجبران انقل له بالمراسلة اهم انطباعاتي الفنية بما يضيق المقام عن ذكره ... وتابعت السفر الى اثينا فروميه ، ثم عدت الى باريس عن طريق فلورنسه وجنيف ، فوجدت جبران منهمكاً في تجهيز بعض لوحاته ليعرضها في معرض الخريف ... وكان جبران بادي القلق والهم . فقد تضطره ظروفه الاقتصادية للعودة الى بوسطن ، ويهمه كثيراً قبل ذلك ان يكون قــد عرض شيئاً في معرض باريس ...
قدّم جبران من لوحاته « المحمولة على اذرع الملائكة » ولوحتين اخريين ، قُبلت احداهنّ فقط ... لكن حظها كان احدى المماشي الثانوية وليس القاعة الكبرى كما كان يرجو .
وفي المساء كشف لي جبران عن هموم قلبه فقال : « لا بد يا يوسف ان يزور رودان المعرض ، وكم أود ان اريه شيئاً من شغلي واسمع من فمه كلمة تقدير يكون لها صدى في المجتمع الاميركي .. فهو لا يجيء ، كما تعلم ، الا محاطاً برفقة بعض السيدات الاميركيات ، ولا يليق ان تعرض صورتي في الممشى ... هذا غير ممكن ! » وانتصب جبران واقفاً وصار يذرع الغرفة بعصبية ...
ـ « هوّن عليك يا جبران . المسألة ابسط بما تتصور . لنبزق على دولار ،
وانا الكفيل بان الحارس ينقل الصورة الى داخل القاعة » ... وهكذا كان !
كنت واقفاً الى الجهة الثانية من القاعة عندما مرَّ رودان وكأنه نصف اله ! يحف به رفّ من السيدات المعطرات كأنهن

