سرب من الحوريات بالفساطين الطويلة الفضفاضة والاكعاب العالية والقبعات الكبيرة المرشوشة بالزهر الملون ...
ورأيت رودان يقف لحظة امام لوحة جبران ، ويتقدم جبران خطوة نحوه ويمد يده لمصافحته ويتلفظ ببضع عبارات لم اسمعها ولا سألته بعدئذ عنها ... ويهز رودان رأسه للفنان الناشيء ، ولا يلبث ان يمشي ، مكملاً جولته بين رف السيدات المعطرات ...
هكذا اخيراً لاقى جبران المعلم رودان ، هو يومذاك قد جاوز السبعين ، وفي قمة مجده الفني ... ابدع تحفه الفنية الخالدة : « عصر البرونز ، مواطني كاليه ، القبلة ، المفكر ، هوغو ، بلزاك وسواها » ومحاط بهالة من الشهرة والغنى ... والكبرياء ... وجبران لا يزال فتى في السابعة والعشرين ، غريباً عن باريس ، يتكلم الفرنسية بصعوبة ، ويشق طريقه الفنية بكد وفاقة ... اما اشغاله وكتاباته يومذاك فلم تكن تغل عليه شيئاً او تستجلب الانتباه ... لذا فكل ما قيل عن علاقته وتلمذه على النحات الشهير ، وما قيل ايضاً عن ولادته في بومباي وانتماء اسرته إلى المتقدمين ... وشهادة لامتياز في كلية الفنون الافرنسية وعضوية الشرف في جمعية المصورين الانكليز - كل هذا من مرض الاباطيل الوهمية ليس الا ...
كانت حركة التحرير الفني في الجو الباريسي بمستهل القرن العشرين ، قد شارفت على النضج ، لكن جبران لم يتأثر بها ولم يعرها انتباهاً ... كانت مخيلته تضج بالفلسفة والتعاليم والرموز ..
واشياء مبهمة لم يكن هو نفسه قد استوضح معانيها ووعاها ... فقد طغى « الاديب » فيه على « الفنان » وبقي الرسم بين اصابعه حائراً .. يتلمس طريقه بجهد إلى اثبات الذات ... وهكذا لم تكن فائدته الفنية من وجوده بباريس بذات اهمية كبيرة ... وقد غادر فرنسا التي احبها وشغف بها - غادرها في اواخر الخريف ، مرغماً ، والدمعة في عينه ... رافقته وحدي إلى محطة قطار « ليون » ، وعاونته على الجلوس في مكان مريح قرب النافذة وعلى مساواة امتعته في الشبكة فوق المقعد ... وجلست بقربه اشغل المحل ، واملأ الدقائق الباقيات بالكلام والتوصيات الاخيرة ، حتى اذا اعطيت اشارة سير القطار هبطت مسرعاً وتركته يشغل المحلين وحده ويمد رجليه براحة .. وليس كالأسفار ما يعلم الانسان ويفتح على العالم عينيه !
لم يقطع جبران اخباره عني ، فقد كانت تصلني منه في الحين والحين رسائل يحن فيها إلى باريس :
« ١٩/٢/ك١٩١١ بوسطن »
« اخي يوسف - سعداً لمن له مرقد عزة في - باريس ! وهنيئاً لمن يسير على ضفاف نهر السين ، متأملًا بصناديق الكتب العتيقة والرسوم القديمة . انا في هذه المدينة المملوءة بالاصدقاء والمعارف كمنفيّ إلى اقاصي العالم حيث الحياة باردة كالثلج وقتمة كالرماد وصامتة كابي الهول . شقيقتي بقربي والمحبوب حولي في كل مكان . والناس يأتون إلى منزلي صباحاً مساء ولكني غير مسرور من حياتي يا يوسف ... اشغالي سائرة نحو قمة الجبل وافكاري هادئة ، وجسدي
يتمتع بكل ما في الصحة من لذة الوجدان ... لكنني لست مغبوطاً يا يوسف ... ونفسي جائعة ظامئة إلى مأكل ومشرب لا ادري اينها .. النفس زهرة علوية لا تعيش في الظل . اما الاشواك فتعيش في كل مكان .. الرحباني في مكان قريب من نيويورك وهو تعيس في حياته . كلانا يشكو إلى الآخر ما في قلبه ويتوق إلى لبنان ويتشبب بمحاسنه .. تلك حياة ابناء الشرق المصابين بداء الفن . تلك هي حياة ابناء « ابولون » المنفيين إلى هذا العالم الغريب باعماله الجامد بمسيره ، الضاحك بكائه .. وكيف حالك يا يوسف ؟ هل انت مسرور بين الاشباح البشرية التي تراها على جانبي الطريق ؟ وكيف اشغالك وهل هي مثلما تريدها ان تكون ؟ وما هي الرسوم التي صنعتها في غيابي ؟ قد كتبت لي مدام هاملتون كلاماً حسناً عنك . فابق صديقاً لها فهي لطيفة ، وفوق ذلك فهي واحدة من شهيدات اله الفن الظالم الرحوم المظلم المنير ... واين بلغ بك دانتي ؟ هل انت برفقته في تلك « الهوة » العميقة وبين تلك المعابر الخطرة ؟ واين بلغت بك « ذات الشعر الذهبي رفيقة روح بوتشلي » . هل انت واقف بقربها امام وجه الابدية في تلك المسارح البعيدة عن عالم المقاييس والكمية ؟ ولدي سؤالات كثيرة تتراوح بين اعماق الجحيم واعالي السماء . ولكني لا اريد ان اسلمها إلى الحبر والورق . اذكر اسمي في قصر اللوفر وامام ربة الانتصار . سلام إلى « موناليزا » . سلام إلى الارواح المتطايرة حول رأسك .. سلام إليك من اخيك ومحبك - جبران »
