الحياة والسماء والألوهية بعد المئات فأي الاديان اعتنق ؟ ما سمعت وصف بلد الا سعى اليه اشتياقي ، ولا اصغيت الى صوت قوم الا خلته صوت املي ويأسي ، وتخيلت مسافات الارض وابعاد الفلك والصحارى والبحار والعوالم والكواكب الا اجتاحني الحنين اليها كأنها اوطان تنتظرني .. فلماذا تتجمع قوى اكتئابي عميقة مرهفة لاني انا وحدي في الدنيا تلك التي لا وطن لها ... »
وهبطت مي لبنان سنة الف وتسعمائة واثنين وعشرين ، وانتدبت الجمعيات النسائية سلمى صائغ لتجيب على صرخة مي فقالت لها بمناداة مغربة ومشوقة : « وطنك يا مي هو هذا الجبل الصغير الذي كان وطناً من قبل ان تتكوّن كلمة الوطنية في عقول الناس . هنا وطنك ؛ لبنان الوجيع تغضب الليالي عليه فتحشره في كل مشكلة من مشاكل الشرق . ثم تقتطع سهوله ثم تميته تجويعاً وشنقاً . ولقبس من نور يطلع عليه ؛ لنهلة من مياه الحياة ، لرمق يعاد اليه ، تزلزل الارض زلزالها ! وهو لا يزال الشيخ الكريم يضحك من بخل الناس ، وصغارة الناس ، ويفرّق على العالم العربي دماء قلبه وفلذات كبده كحجة ازلية على حقه في الحياة . ليس لنا ، يا مي ، اعلام ذات خطوط ونجوم وأهلة وصلبان ، انما لنا ، يا رافعة العلم ، اعلام تسير خفاقة فوق الهند والحجاز والعراق ووادي النيل والسين والامازون . لنا اعلام قديمة مضرجة بدمائنا ودموعنا مطوية على جوف التاريخ هي ضحايانا القديمة والحديثة

