كانت معركة عنجر من المعارك الكبرى في تاريخ الامارة اللبنانية ، واحدى المعارك الفاصلة التي كتب النصر فيها لبطل هذه الامارة الاول ، وباني صرح عزها ومجدها واستقلالها ، الامير فخر الدين المعني الثاني الكبير .
ففي العام ١٦٢٣ ، كان الامير فخر الدين قد مد رواق سلطانه على معظم ايالات وسناجق عربستان ، وكانت تعرف باسم عربستان الاراضي الممتدة من حلب شمالا الى عريش مصر جنوبا ، ومن نهر الفرات شرقاً الى ساحل البحر الابيض المتوسط غرباً ، وبات يحلم بضم ما تبقى من هذه الاراضي الى امارته ، واضطرت الاستانة الى منحه لقب سلطان البر مالماقة له .
وكان طبيعياً ان يكون لذلك الامير الكبير منافسون وحساد ... ومنهم الامير يونس الحرفوش صاحب بعلبك ، فحدث ان سعى هذا لدى مصطفى باشا والي دمشق ، لتنحية فخر الدين عن سنجقية صفد ، واسناد ولاية هذه السنجقية اليه ، وكان الوالي يكره فخر الدين فأجابه الى رغبته .
وبلغ فخر الدين ذلك ، فكتب الى مصطفى باشا يقول :
« بلغني ان الامير يونس الحرفوش
زاد على سنجقية صفد الف ذهب ، فانا ازيد على بلاد بعلبك والبقاع مائة الف ... ولكن والي دمشق لم يأبه لكتابه وعرضه .
فكان على الامير المعني ان يحكم السيف ... وابى تسليم سنجقية صفد ، وعدّ مصطفى باشا ذلك ترداً على اوامره فجمع جيوشه من جميع الانحاء ، وزحف قاصداً الى لبنان ، حيث كان ابن الحرفوش وانصاره قد تجمعوا للانضمام اليه .
ولم يتردد فخر الدين في الرد بالمثل وكتب الى ولده الامير علي ان يلاقيه برجاله الى قب الياس ، وكذلك الى اخيه الامير يونس ، والى المقدمين اللمعيين وسواهم من الانصار ، فاقبل هؤلاء برجالهم وسلاحهم عليه .
وكان في قب الياس الامير حسن ابن الامير يونس الحرفوش ، وقد زوجه الامير احدى بناته ، توثيقاً للروابط بينه وبين اسرته ، ووهبه داراً في قب الياس ليقيم فيها ... فرأى هذا ان يدعو عمه الى وليمة يقيمها على شرفه ، ولبى الامير الدعوة مع كبار قواده وجماعته ، حتى اذا استقر به المقام قال لصهره :
- ما بال والدك يا حسن يناصبنا العداء ... لقد نشدنا ابداً صداقته ، وليست ابنتنا زوجتك سوى عربون
صداقتنا ، فهل يطيب له زوال نعمتنا ونحن اهله لينعم بها الغرباء ؟
ولما لم يجبه الامير الشاب بشيء تابع قائلاً :
- نحن يا حسين ما تهمنا الدسائس ... كثيرون حاربونا بها وما كانوا بحرهم شرفاء ... لا ليس شريفاً من يعتمد على سيف اجنبي لمحاربة ابناء وطنه ... ونحن ما شهرنا السيف مرة الا لرفعة شأن وطننا ... اينكر ابوك ذلك ؟
واطل الغضب من عينيه ، وزجر قائلاً :
- لئن فعل ، فحد هذا السيف يضطره الى الاعتراف .
وكان لا بد للامير حسين من ان يقول شيئاً فقال :
- مولاي عفواً ... لقد اسمعتني ما لم اكن في حاجة اليه لاظهار ولائي ... انا بعد اسير نعمتك ، ويكفيني شرفاً ان اكون لابنتك زوجاً ، فهل جاءك يوماً اني فكرت في الخروج عليك ؟
وكان فخر الدين ادهى من ان يؤخذ بمثل هذا « الولاء » قال :
- لا وانا على يقين من انك ستحارب الى جانبي . فاصفر وجه الامير الحرفوش وقال مرتبكا :
- وهل يحتاج مولاي الى سيفي ؟
فابتسم فخر الدين واجاب :
- لاثبات ولائك ...
وازداد الامير حسين ارتباكا ، فقال :
- مولاي ... ان امتشاق السيف لخدمتك واجب ... ولكن هنالك واجباً آخر ، واجباً طبيعياً يمنعني من امتشاقه .

