فتجاهل فخر الدين المعني كلامه ، وقال
- وما ذاك ؟
قال : هو واجب المراعاة لوالدي .
فغمغم الامير غمغمة من يوافق على ذلك ، وقال :
- اذن تمضي الى والدك وتحارب الى جانبه .
ثم قال بلهجة حازمة :
- ان هذه الدار ملكنا ، اشتريناها من ورثة الامير منصور بن عساف ووهبناك اياها ونحن الان في حاجة اليها .
والتفت الى مديره الشيخ ابي نادر الحازن وقال له :
- اطلعه على صكوك المشتري ، واستلم الدار منه ، وليذهب الى ابيه في الحال ... اما ابنتنا الاميرة فاخرة وولدها فيمضيان بحراسة كتيبة من الفرسان الى صيدا .
وجاءه من يقول ان مصطفى باشا هزم الامراء الشهابيين في وادي التيم ، وفر هؤلاء من وجهه الى مجدل عنجر ، وتحصنوا في برجها الحرب ، بانتظار نجدته .
فامر في الحال بالزحف ...
وكان مجموع ما معه من الرجال خمسة الاف قسمهم ثلاثة اقسام : الميمنة بقيادة ولده الامير علي ، والميسرة معقودة اللواء لاخيه الامير يونس ، وتولى قيادة القلب بنفسه . ولما وصل الى المجدل ، انضم الشهابيون المتحصنون في برجها اليه . وكان جيش مصطفى باشا اثني عشر الفاً ، وقد وصل الى عنجر ورابط فيها ، فلما اشرف الامير عليه ، امر بنشر البيارق ، وبهجوم لا تراجع فيه ، فاذا بفرسانه ينقضون كالصواعق ، وبمشاته يطبقون على العدو من كل جانب ، وهو
في غمر المعركة يشق الصفوف ، وحيثما اطل هتف رجاله بحياته ، وراحوا يمعنون في الاعداء ضرباً وقتلا .
وكانت المفاجأة اعظم من ان يصمد مصطفى باشا ورجاله في وجهها ... فما عتموا ان ركنوا الى الفرار ، ورجال الامير تطاردهم فتقتل من تقتل وتأسر من تأسر منهم ... الى ان جاء الامير من يقول :
- لقد اسرت كتيبة من الفرسان مصطفى باشا على طريق دمشق .
فقال فخر الدين برصانة :
- وهل مسه احد بسوء ؟
اجاب حامل النبأ :
- لقد ابى مولانا الامير علي الا ان يكرم .
فقال الامير :
- وانا ارجو ان يعامل كذلك ... انه اسير حرب ... ومهما يكن من امره ، فانه يخدم دولته وسلطانه وحسن السياسة يقضي بان لا نسيء اليه .
وراح يستقبله بنفسه ... وعندما التقاه ، قدم له واجب الاكرام وقال له :
- عذراً يا دولة الباشا ، ما اردنا الحرب ، وشهرتموها انتم ، فكان علينا ان ندافع والدفاع عن النفس واجب .
واثرت لهجة الامير بمصطفى باشا ، فقال :
- ونحن يا امير ما اردنا حربكم ، وصداقتنا لكم معروفة ، ولكن ... قاتل الله المفسدين ... لقد صوروا لنا انكم تتأهبون للزحف على دمشق واحتلالها
فضحك فخر الدين وقال :
- وغداً يقولون اننا نتهيأ للزحف على الاستانة ... ان لبنان يا دولة الباشا
لا يتسع لكل هذا ... ونحن ما نريد الاحتفاظ بامارتنا ، ضمن حدود تكفل لنا العيش على ما فيه خيرنا وخير الدولة
فقال مصطفى باشا : - وهذا ما نقركم عليه ... والكرد حمزه ، والامير يونس وسواهما من السعاة هم الذين اخرجونا عليكم .
فاغتنم فخر الدين الفرصة ، وقال :
- ان هؤلاء لخونة .
فقال مصطفى باشا :
- لكم ان تؤدبوهم ... وسنجقية صفد وغيرها من السنجقيات التي اقرتكم الدولة عليها ، تضم الى امارتكم في الحال .
وكان فخر الدين ينتظر هذه الكلمة فنادى ولده الامير علي وقال له :
- يا علي ... تزحف الساعة برجالك الى بعلبك ، وتستولي على املاك بني الحرفوش ، وتهدم دور الكرد حمزه ، وتخضع بالسيف من يجرؤ على مقاومتك .
ووافق مصطفى باشا على ذلك بقوله :
- بامر الامير وأمري .
وهكذا كان اميرنا العظيم يبني ، بالسيف والدهاء لتوطيد كيان لبنان وسيادته ...

