
مع الصباح الطري ، بخطاه المرتعشة على
اخيلة الليل
مع اجراس كنّاسي الشوارع
مع حاملات صفائح اللبن الرائب ، بتنانيرهن
الفضفاضة المجررة
كانت تطلّ على المدرسة مسرعة كأطياف
المنى ، خفيفة كالحلم الشارد

والمدرسة ، ما تزال تتثاءب على انغام
اجراس القسم الداخلي ، وقد اقفل الباب برتاج ثقيل ، كنقل
دقات قلبها ، لدى ولوجه
ما ان يُشرع في وجهها على مصراعيه ، حتى تتخطاه قفزاً
وكأنما تنبه على لداتها الكسالى ،
بهذا النشاط العجيب ، الذي ما عرفت
مدرستها مثله من قبل
ولكنها هي ، عرفت ان الذي
يذكيه هو موعدها الذي لم تستطع ان
تخلفه يوماً مع الراهبة « السير مدلين »
راهبتها المفضلة ، في كل صباح من اصباح
يوم الخميس الأبلج
تلك الراهبة الفتية ، الفلسطينية
الاصل ، ذات اللهجة الدافئة ، والنبرة العميقة ، والنظرة الحلوة
الممراح ، التي تحاول ان تجعلها شذراء فما تكاد تفلح
تلك الراهبة ذات المشية الصلب ، التي تشبه الى ما لا احد له ،
مشية الملكات ذوات التيجان البراقة ، اللواتي طالما قرأت عنهن في التاريخ ، وفي الاساطير
تلك الراهبة التي لا تعلم لهــذا التبكير من سبب وجيه ،
ولكنها تعلم ان هذه الفتاة العنيدة حتى الصلف ،
الورعة الخلق حتى التهوس ، انما هي من نسيج
فريد لا تدري بالضبط ما اذا كانت تستحسنه ،
ام تستهجنه ... ولكنها في قرارة نفسها
الصادقة ، التي لم تألف المراوغة ، تحس له تجاوبا
حاراً ، كأنما هو اعجاب بهذا الشيء الذي لم
تلمسه قبلاً ..
وتقف فتاتنا هنــالك ، في ساحة الملعب
المترامي الاطراف ، تحت تلك الدراقة الكبيرة ،
الممتدة الاغصان كالسعف التياه
تقف منتظرة ، مفكرة . انها لتلمح الحياة تتجدد مع النهار
في كل بقعة من بقاع المعهد ، فتحس بكيانها يتجدد كما لم يفعل
مرة . وتروح تستنشق الحياة بهذا الهواء
الريان ، ملء رئتيها الضعيفتين ، فتشعر
كأنما هذا الأريج يحمل اليها العافية
هذا الاريج الندي الجريء ، الذي
يقوى وحده على دخول غرفة الراهبة ،
حيث يراها ثمت راكعة امام المصلوب ،
تصلي ، وتستغفر ، وتنظر اليه بعينيها
المخلصتين ، نظرات خواشع ، واجفة ..
مستغفرة .
واجفة ؟ مستغفرة ؟! ولمَ هذا وذاك ؟!
ان من يستغفر يكون قد اذنب من غير شك . ولكن
راهبتنا هذه ، لا يمكنها ان تأتي بجريرة ما ، وحاشا ان يطأ
الذنب ساحتها الناصعة
انها تشتغل النهار بطوله ، وشطراً من الليل غير قصير ،
تشتغل بجد متواصل ـ لان الأم الرئيسة ، تسلمها اكثر من