شيئاً بما في سريرتها الظاهرة ، وهذه البتول العتية ، قد نذرت اوقاتها جميعاً ، ما عدا التي تشتغل فيها ... قد نذرتها للمسيح وحسب
هذا المسيح البريء المتسامح ، الذي قد اصبح بالنسبة اليها غريماً قاسياً ، تنظر اليه في غرفة الدرس ، وفي بهو الاستقبال ، وفي الرواق ، وفي الملعب ، والكنيسة ، تنظر اليه بتحد ظاهر ، كأن بينها وبينه سابق جفاء وموجدة .
وتروح في طفرة مستعرة ، تتعمد الاخطاء ، وتصطنع الخلق الاهوج – هي ذات الوداعة والخلق الرضي – كل ذلك لتقف من الراهبة موقف المتشفية المصرة ، التي لا تألو جهداً في قهرها وتضييع وقتها بالجدل العقيم .
وفي ذات فترة من فترات الاستجمام الدراسي التي تقع في موسم معين من كل سنة ، للرياضة النفسية مدة ايام معدودات ، تكثر الراهبات فيها من الصلاة ، وترويض النفس الامّارة على الاستكانة في سبيل الاعمال الطيبة المجدية ، وفي كبح جماح الاغراء عن اصغر المباهج الدنيوية ... كانت فتاتنا قد انتهت بعد لأي من اقناع ابويها المحافظين ، في وجوب ملازمتها المدرسة ليل نهار لانها تريد ان تتعرف الى اشياء تجهلها ، واشياء يمكنها الافادة منها على كل حال .
وهناك في اول صف من المقاعد المتراصة الممتدة في خط طويل عريض من الساحة الكبرى ، كانت تجلس فتاتنا امام الراهبة مدلين ، منصتة الى مواعظها في استغراق واجم ، حتى اذا ما وجهت تلك اليها سؤالا – وكثيراً ما كانت
تفعل – او خصتها بموعظة ، او اشارة ، او نظرة .. كانت تحس كأن دنياها تدور بها دورة خاطفة هامسة ، لتقف بها عند شيء معين ، لا يمكنها فهم كنهه ، ولا مصدر همسه ...
أهي ( اليوتوبيا ) ؟ ام انه انصهار الروح في خمرة الكمال الانساني ؟!
انها لا تدري !!
ويختلط عليها الامر ، وتختلط دمعة لاهبة بردّها الذي لا يكاد يبين ، فيُسمع وكأنه تمتمة همس مبحوح ..
وتجهد نفسها لتخفيه ، وخاصة عن الراهبة التي يخيل اليها انها بدأت تهزأ بها ... فما تستطيع .
وتصطدم نظراتها المغشاة بنظرات الراهبة ذات الوداعة والقوة .. والابتسامة المشرقة ، فتنسل من امامها اشبه ما تكون بالهاربين .
وتروح تصعد السلم الطويل بثورة التلميذ الراسب ، تصعده واثبة متهالكة وقد تلاحقت انفاسها ، وغشيتها كبرياء لافحة ...
وهنالك في القسم الداخلي كانت تجوب الدير غرفة غرفة ، ورواقاً رواقاً ، وفي كل غرفة نوم او أكل ، او استراحة ، كانت تقف امام المصلوب ، لتراه في وضع جديد ، ولتنظر اليه نظرات تهكم مر ، وأمل ندي ، في وقت معاً .
ويختلط الامل بالتهكم ، ويتجاذبان بعنف مصرِّ النفسية الملساء التي لم تخوشها الحدثان ولا داهمتها الاوصاب .
وتعتمد الرأس الصغير بين اليدين الصغيرتين ، وتحسب انها انتصرت على ..
نفسها لدى انتهائها من نوبة البكاء الاخرس .
ولكن قبل ان تنزل الى الساحة ، لتأخذ مكانها بين التلميذات تشعر بان يديها تحملان سلماً خشبياً نقالاً – من الرواق المظلم – لتضعه في البهو الكبير عند قدمي المصلوب ، ولتصعد هي عليه فتتطلع الى الرأس المنحني المتوّج باكليل من الشوك وكأنما تتطلع الى الابتسامة الفياضة المنتثرة على رؤوس تلك الاشواك ، ابتسامة الراهبة مدلين ، فما تعود تحس بوخز ، ولا بنقمة ، وانما بشيء يطفح من نفسها ليغمر الكون ببهائه وخيراته وانسه .
وتشعر بان يديها تُنزلان السيد المصلوب لتغمرانه بالقبل .
هل هي قبل الايمان ، هل هي قبل اليقين . كلا ، لا هذا ولا ذاك .
انما هي النفس في بداءة تكوينها تنتفض انتفاضة المعرفة على يدي نفس مماثلة ، دون ما عمد ولا اصرار .

