

شيء واحد فقط يعلن ان الساعة قد بلغت السادسة في المشغل، ليس هو دقات الساعة، بل انقطاع اصوات ماكينات الخياطة فجأة، عندما تتعلق العيون على العقارب التي تزحف على ساعة الحائط، وسكون الضجة التي تبدأ مع السابعة والنصف صباحاً.
وتقوم العاملات الى الوكيل فيسلمنه عمل النهار، بالعدّ كما استلمنه، وتشد الواحدة منهن سترتها وتترنح على شفتيها عبارة مكدودة «نشوفكم بخير» وتمضي الى بيتها، الا وداد، فقد كان عليها ان تظل ساعة اضافية تنجز فيها عملاً خاصاً، فقد وعدت نديم - ابنها - بقميص جديد، يحسسه بان للعيد وجهاً ليس له جهامة ايامه العادية، ويخلق في قلبه الصغير فرحة متباعدة الاطلالة.
وكان في يديها قماش ازرق منقوش بمربعات بيضاء اختارت ان تصنع منه القميص، تفصله هي وتقوم بخياطته وتثبيت ازراره بابرتها وخيطها وحدها.
وتطلع اليها الوكيل حين لم تنهض مع من نهضن، فاخبرته بانها ستخيط هذا القميص لصغيرها وتدفع له ثمن القماش... فهزّ هذا رأسه وانصرف عنها بعد القطع ويسجلها في دفتر مهترىء الاطراف.
اما هي فقد ارسلت طرفها من
النافذة، وراحت تفكر هل تصنع للثوب جيباً واحداً ام جيبين صغيرين، ثم فضلت ان تصنع جيبين يتسعان لبعض ما يشتهيه نديم في العيد، فقد شاءت ان توسّع على بيتها قليلاً، فالعيد اولاً عيد ثم انها قد قبضت الجمعية ١٢ ليرة لستة ايام كاملة، اما عطلة الاسبوع فمن حسابها طبعاً، وكانت عازمة بعد ان تنتهي من خياطة القميص ان تمر بالسوق فتشتري بعض الحلوى وقطعة من اللحم، وبعض برتقالات واشياء اخرى صغيرة، وتستبقي بعض ليرات تعيش عليها العائلة اسبوعاً الى ان يجيء يوم القبض في نهاية
الاسبوع الثاني.. ووجمت وداد وهي تذكر ان المشغل سيعطل يومين بمناسبة العيد تطير من حسابها ايضاً. كانت تشتهي العطلة، تتمناها من كل قلبها، فبيتها بحاجة الى بعض رعايتها، وفي نفسها شوق لصحة ابنائها فهي ما تكاد تراهم، تخرج في الصباح وتعود في المساء، وتكون البنت قد استسلمت للنوم. اما نديم فيكون منهمكاً مع ابيه في استظهار بعض كلمات من كتابه، وقد لا يسلم من شدّة أذْن اذا ما اخطأ وقال «قير» بدلا من «بير» او بالعكس حتى ولو لم تكن الكلمة بيراً او قيراً، فقد اكتشفت