مرة ان ابنها يقرأ احسن من ابيه، فما ان تدخل حتى تجهز العشاء فتأكل وزوجها ويأكل نديم وعيناه شبه نائمتين..
كم تحب هذا الولد، كم ترجو له ان يكبر، ان ينجح، ان يصبح انساناً له مع الحياة غير حظ ابيه العاطل عن العمل منذ حكم الروماتيزم عليه ان يستجدي الحياة من زوجته.
اجل كانت تشتهي كثيراً يومي راحة او اسبوع راحة او شهر راحة.. ولكنها تعلم انها ستكون من حسابها وان نقودها في الاسبوع المقبل ستكون اقل وانها ستعيش يومين على الاقل مع اولادها على خبز اسود وزيتونات شبه ناشفات.
ثم هنالك قميص نديم، لا بد ان يحاسبها الوكيل بليرة او ليرة ونصف ثمناً للقماش، هذا اذا سامحها بثمن الازرار.
اوف ان الاعياد ليست اعياداً لدى الفقراء، انها فرصة تحسسهم بان العيد لمن يملك ان يشتريه.. فهو في حوانيت الملابس وباعة الحلوى والكعك واللحم والفاكهة.
وحاولت وداد ان تصرف هواجسها لتتابع جيداً حركات المقص على القماش الازرق ذي المربعات البيضاء، وكان مقصها يجري بمحبة لم تعرفها مع كومة القمصان التي انجزتها في النهار.. فهي مع هذا القميص تتخيل نديم وقد اضفت عليه الاناقة نضارة مسحتها حياة الكفاف.
ونسيت آلام ظهرها المنحني دائماً كعلامة سؤال متعبة وهي تدير آلة الخياطة فتلتحم اجزاء القميص ويلتصق الجيب الاول فالثاني وتأخذ الازرار الصغيرة امكنتها ويستوي القميص بعد كيه انيقاً فيه من سمات نديم اللطيفة
الشيء الكثير.
وتقوم وداد فترتب حاجياتها وتحمل حقيبتها المتهدلة وتلف القميص بعناية في صحيفة قديمة ثم تتجه الى الوكيل لتستفسر عن ثمن القماش.
ويتناول هذا الربطة الملفوفة فيفتحها ويتأمل القميص ويقول: اذن لقد انتقيت هذا القماش، انه افضل اصنافنا كما ترين واحسنها رواجاً، ارى انك خطته بعناية ملحوظة.. وسعل الوكيل سعالاً مبطناً، ثم تطلع الى اصابعها المنقبضة على بعض ليرات وقال: آه الثمن.. حسناً نحن نبيعه للتجار بسعر اربع ليرات... وسأعاملك المعاملة نفسها فنعطيه لك بسعر الجملة.. اربع ليرات ثمن معتدل لقميص رشيق.. فهل رضيت..
ـ البقية على الصفحة ٤٨ ـ

