
ولم ترض وداد ، كل شيء فيها كان يقول بأنها لم ترض .. شفتاها المرتجفتان ، يدها الجزعة ، القلق الذي قفز إلى عينيها ، كل شيء كان يقول بأنها تورطت في مغامرة ستكلفها أن تعيش وعائلتها عيداً ناشفاً .
أربع ليرات ... أن ثمن القماش لا يسوى أكثر من ليرة .. الأزرار والخيوط ربع ليرة ... فلماذا تدفع أربع ليرات هي ثلث أجرتها عن أسبوع طويل .
ولم يكن بوسعها أن تفعل شيئاً ... أن ترد القميص مثلاً وتسترجع ليراتها فقد وعدت ابنها به ولم يعد من مجال
لشراء قماش من السوق فقد أغلقت حوانيت باعة القماش .
وكان عبثاً أن تفتح فمها لتقول شيئاً فللوكيل وجه لا يلين لمنطق الفاقة ، فحملتها نفسها واستدارت لتنصرف .
وفي طريقها وقفت تبتاع قطعة لحم وبعض خضار وترددت كثيراً قبل أن تدخل إلى الحلواني لتخرج بكعكات اختفين تحت طبقة من السكر الناعم .
ودفعت في الحسبة خمس ليرات وفوقها خمسة قروش للترام. ولما وصلت الحي ولمحها نديم من بعيد تنوء بحملها سارع يخفف عنها ويسأل ملهوفاً عن القميص. وحاولت أن تبتسم وهي تقول : أما وعدتك بأن أحضره أنه مع هذه اللفافات
وطار الصغير بما يحمل وسبقها إلى البيت ثم ما لبث أن لاقاها على الباب دامع العين ،
- أمي لقد كذبت علي أين القميص ؟
- أنا لا أكذب تعال ! وأمسكته من يده وفتحت وإياه اللفائف فما كان القميص في واحد منها. لقد ضاعت اللفة برمتها. وطار صوابها ، أتكون اللفة قد طارت في زحام السوق أم سقطت في عربة الترام ..
لا التعب ولا الليرات الأربع تقف وراء جذعها .. بل أساها على نديم يقضي العيد بقميص عتيق. وتهادت على أقرب مقعد تشرب دموع الصغير ويشرب دمعها ولا تكاد تسمع صوت زوجها يقول في ضيق : هل أحضرت معك شيئاً للعشاء ؟
