ـ ٧ ـ
سفر روزينة
... حوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل كنت في الفراش ، على عادتي ، اطالع وأرسم ، واذا بدقة على الباب ... بل ثلاث دقات اعقبتها ثلاث دقات اخرى ... هذه دقة الانسة روزينة قلت ، أمن المحتمل ان تكون هي الاتية في هذه الساعة ؟! وهببت من فراشي اتعثر على غير هدى وهبطت الدرج الى الباب ، وفتحته ، فاذا انا وجهاً لوجه مع روزينة ! صفراء كتمثال من الشمع ، وكانت ترتجف حتى اخمص قدميها من فرط الانفعال والبرد ... وتقدمت – كتلة من الاسى والاعياء – وترامت على الديوان ، وغطت وجهها بكلتا يديها واجهشت في نوبة من البكاء الحاد ...
تركتها تبكي وتبرّد غليلها وانصرفت اشعل الغاز لعمل فنجان قهوة ، هو خير مهدىء لاعصابها المضطربة ... بعد لحظات سألتها وهي تشتف قهوتها على مهل وتحدّق امامها شاردة الذهن : « هيا اخبريني الان القصة من اولها الى آخرها ... » ، فأجابت
بصوت مخنوق وهي ما تزال ترتجف وتعضّ على شفتها لتحبس دموعها .. : « طردوني ! ضربوني ! وهددوني بالقتل ! .. ولولا املي بك ياسيدي ، ولولا ثقتي بانني اجد عندك الملجأ الامين لكنت الان في قعر السين ... آه ليتني ما جئت الى باريس ! »
وعادت الى البكاء ومسح الدموع وعدت انا الى تطبيب الخاطر ... واخبرتني ان اخوتها بعد ان كانوا اول الامر يمنعونها من الخروج ليلاً ، ابتدأوا يعاقرون الخمرة ويطلبون منها شيئاً – الموت اهون من عاره – يطلبون منها ان تبيع نفسها كبنات الليل ! وتضرّعت الي قائلة :
« رحماك ياسيدي . اشفق علي وساعدني على العودة الى بلادي . انا ما لي غيرك .. الله يجازيك » . وأكبت على يدي ، فهربتها قبل ان تقبلها ونهرتها وانا احاول اخفاء دمعة طفرت عنوة الى عيني .. تألماً على حالة هذه المسكينة ...
وهدّأت ثورتها قائلاً : « طمني بالك يا عزيزتي ، ستكونين بعد ٤٨ ساعة بين اهلك في انطيكولي ! »
– « أصحيح ما تقول ياسيدي ؟ » قالت ، وهي تضحك وتبكي في آن واحد ! ، « لم اكن مخطئة اذ اتجهت بآمالي كلها اليك دون سواك ! »
– « انت الان بحاجة الى شيء من الراحة » ، قلت « لتقوي غداً على السفر . سأناولك الحرام تلفلفي به ونامي ملء جفونك . وان كنت جائعة دونك علبة البسكوت وجمع المربى .. هناك على الطاولة » .
وصعدت الى التخشيبة حيث فرشتي ، ورميت الى روزينة بالحرام – الغطاء الوحيد الذي كنت املك – فتلفلفت به لفوق رأسها ، لانها بالحق كانت شبه ميتة من البرد والاعياء ... اما انا فعمدت الى كل ما عندي من ثياب واشياء صوفية نثرتها فوقي .. حاولت ان اطالع بصورة طبيعية فلم افهم ثمة كلمة . عندئذ اطفأت النور وحامت في رأسي ذكريات حلوة عن جدل يا طالما احتدم بيني وبين جبران عن علاقة الرجل بالمرأة ، وطبيعة هذه العلاقة ...
على هذه الذكريات غفوت .. وأفقت مع هلة الفجر ، فنزلت على مهل ، اشعلت آلة الغاز لعمل القهوة .. والتفت صوب روزينة فوجدتها غافية كغفوة الطفل ... وقد اشرأبت من فوق الغطاء خصلة من شعرها الذهبي الذي احبه جبران ، وكأنها تقول : « نعم انا هي روزينة رفيقة روح بوتشيلني ! .. »