اخيراً تململت وكشفت عن رأسها الغطاء ، وإذ رأتني منهمكا بالقهوة صبّحت ببسمة منورة وراحت تسوي بأصابعها شعرها المرسل الجميل ... تقدمت نحوها بفنجان القهوة ومررت بيدي على رأسها وقبلت جبينها متمنياً ان تكون قد ارتاحت عن امس ، فأرجعت لي القبلة بكل براءة وأجابت :
- « ارتحت بالتأكيد .. متى السفر يا سيدي ؟ لقد رأيت في المنام جبال تيڤولي وانطيكولي » .
قلت لها : « قطار روميه موعده الساعة العاشرة وامامك ثلاث ساعات . هل انت بحاجة الى شيء ؟ » . فأغمضت عينيها وتلمّست جبينها كمن يفكر
... ثم اخرجت بهدوء من زندها ، الأساور الفضية الثلاثة وسألت : « هل بالامكان بيعها ؟ انا بحاجة الى لباس دافئ وحذاء .. حذائي هذا مهترئ تدخل فيه المياه .. ولباسي خفيف . وأخاف قرصة البرد اذ نعبر جبال الالب .. وفوق هذا انا اخجل ان اصل الى البيت بهذا الثوب المرقّع والحذاء المهترئ ! »
- ارجعي الاساور الى زندك ، رجوتك روزينة ، ولا تنسي انها هدية - تذكار لطيف من صديقنا جبران - واطمئني . سنشتري كل ما تحتاجين في طريقنا الى المحطة ... وانا ذاهب الان لاستحضار شيء للفطور ..
فسألتني باستحياء ان اعطيها ابرة وخيطاً قبل انصرافي ..
ذهبت الى مطعم قريب فوجدت صاحبه وصاحبي « بوشني » بالمريول يرتب كاسات اللبن في الواجهة ، فبشّ لما رآني وقال : « كل مرة اروّب الحليب افكر فيك يا مسيو جوزيف ، فالزبائن يجدون لبن « بوشني » ألذ من لبن البلغار ( محتكري اللبن في ذلك الحين ) .. والفضل كله لك لانك علمتني ترويب اللبن ... والان بماذا يمكنني ان اخدمك ؟ »
- انا بحاجة الى شيء للفطور والى بعض الزاد للسفر والى
مئتي فرنك ، سأرجعها هذا المساء اذا تسنى لي ذلك . والا ففي الاسبوع القادم » .
فاجاب الرجل « الآدمي » :
- « مسيو جوزيف . كل ما في المحل وصاحب المحل ذاته ، تحت امرك ! » .
صرفت روزينة بعض الوقت تساوي ثيابها : الفستان الاخضر .. القميص البيضاء بلا اكمام ، والشال الاحمر - هذا كل ما كانت المسكينة تملك من ثياب ، تستر بها اجمل جسم امرأة !
جلستُ في نفس المحل حيث كنت اجلس مع جبران نسمع الموسيقى ونشاهد الرقص ، وسرحت في الخيال : الانسة اولغا هي الان في « تومسنك » : « لما افكر في باريس تتراءى لخاطري كحلم بعيد - بعيد » . وجبران في بوسطن : « انا غير مسرور من حياتي يا يوسف .. » . وكأن افكار روزينة كانت ترافق افكاري فسألتني :
- هل لديك اخبار من المسيو جبران ؟
- نعم . وهو دائماً يسألني عنك .
- ارجوك ، عندما تكتب له ، ان تهديه سلامي وتقول له ..
- ماذا اقول له ؟
- ان روزينة كلما نظرت الى الاساور الفضية تذكرك بالخير .. وانها كادت تبيعها لتشتري حذاء !!
ونظرت الي نظرة شيطانية ، فهمت منها انها كانت واثقة من اني لن اتركها تفعل ! .. »
سألتها فجأة : روزينة . اصدقيني الخبر . ما رأيك بصديقنا جبران ؟ انا اعلم انك كنت اثناء سفري ، تجلسين له ، وانه كان يدعوك احياناً للأكل ...