وأين نحن من هذه الوسائل التي تأخذ بناصر الفكر ، وتأخذ بناصر القوى الكامنة في الانسان لتتفتح يانعة مبدعة مبتكرة ؟
ان ما يدل على ماهية شعب من الشعوب ما تجده في بلادهم من هذه الوسائل التي تُعلي من شأنهم ، وتمنحهم القوة والمنعة والسيادة والفوز .
وليس للمرء مناص من عوامل تُثقل على الضمير ، بل وتسدل على القلب نقاباً اسود ، وهو يقارن ويوازن ، وينظر الى بلاده بعين الوطنية الصادقة المجردة .
انني بهذه العجالة القصيرة من الكلام ، لأحار ، من اين ابدأ بالكلام عن اميركا ؟ ان بها من اسباب النهوض ما يستلزم المجلدات الضخمة ، ليشبعها بحثاً وتدقيقاً ، ويوفيها ما يطلب العلم من حق في النشر والاعلان .
أأهمل الكلام عن الجمال الساحر ، الذي حباها به المبدع الاكبر ، فنامت على ذراعي المحيطين ، عظيمة رائعة ، وضاعة الأديم بمياه انهارها وبحيراتها وسهولها وغاباتها وشلالاتها الفريدة ، وتلالها اليانعة الخضراء ، حيث تغترف النفس والعين من مناهل الجمال في جنباتها زاداً وفيراً .
واني لأرتاع اذ اقول عنها كلمة « نامت » وهي التي ينطق كل ما فيها عن النشاط واليقظة والحيوية المتوقدة المشعة .
فمن جامعات ومستشفيات تتسع للألوف ، الى متاحف ومعارض ومكاتب وطنية تضم من غنائم الفكر ومبدعات العقول ، مما تعرضه روائع للملايين من العقول المتعطشة التي تبحث لتستزيد معرفة وعلما .
وهناك من الحدائق العامة ، والعمائر والجسور ، والملاعب والمسابح ، والمسارح ، والدروب المنظمة المخططة ، في بطن الارض وعلى ظهرها ، ما يحير الألباب .
وهذه المسافات الشاسعة التي تنهض عليها المعامل المزودة باحدث الآلات ، تعمل بها جيوش من القوى الجبارة ليل نهار ، في ثبات ودأب ونشاط .
رأيت بعضها تعج بالانوار في ظلام الليل ، فتمثل حينئذ لخاطري تلك المواهب الكامنة في ابناء بلادي تغطّ في سبات عميق في السهل والجبل ضائعة مهدورة .


