كان الفصل صيفاً ، وقد تراصت احياء دمشق القديمة على ضفاف الانهر السبعة المنسابة بينها . وكانت الريح المحملة بالغبار تصفع وجهها الشاحب بين حين وآخر . ولو ذهبت الى خان الحريري ، لرأيت الاتربة ترتفع من باحته وتنتشر في تتابع من السحب المتشابكة ، ولأصمت اذنيك جلبة الغوغاء فقد كانت باحة الحان تعج بالبشر والدواب .
وفي وسط الباحة قرب الحوض المربع ، كان يجلس رجل كهل على خرج اسود اللون مصنوع من الوبر ، ساهماً ساكناً ، وكان لباسه يدل على انه لم يكن من سكان المدن ، بل من اهالي قرى الغوطة الى الشرق من دمشق ، عند اطراف بادية الشام . ترى كم من الزمن بقي عطا على هذه الحال ساهماً متأملًا ؟ لم يعبأ أحد بمعرفة ذلك كما ان عطا ذاته لم يحفل بالاجابة على هذا السؤال . فقد كان غافلا عن كل ما يجري حوله ، فلا الغوغاء وجلبتها ، ولا الغبار ، حتى ولا الشمس المحرقة التي كانت تلفح وجهه وجسمه ، اثرت فيه بصورة من الصور . بل كان مستغرقاً في افكاره حتى لكان يخيل الى من يراه انه لم يبال بتحريك اطرافه . وكان وجهه ذو العثنون القصير والشاربين المتهدلين ، جامداً جمود الصنم . كأنه تمثال نبطي من حجر البزالت . وكانت شفتاه المزمومتان ونظرته الساهمة تنبئان بانه كان ضعيف الحيلة ازاء الامر الذي اخذ عليه تفكيره ، كان جلياً ان امراً على جانب عظيم من الاهمية يقلق باله .
وكانت ليلى صاحبة الحان والقائمة على ادارته ، جالسة على اريكة لبنة ، في الدور الثاني من الحان ، وفي مكان منه يطل على الباحة ، وكانت في هذه الجلسة المريحة تدخن النارجيلة وتنظر الى الجمع الصاخب نظرة متفحصة . وقد كانت ليلى تناهز الخامسة والثلاثين ذات وجه ابيض يشوبه بعض الشحوب وشعر فاحم وعينين سوداوين تشعان ذكاء .
وفيما كانت تدخن ، وتلطف الحرارة عن وجهها بمروحة يابانية ، وقع بصرها على عطا ولم تأبه له في بدء الامر ، ظناً منها


