هو ... بائع « مستكة » ، تركت الهموم خطوطاً عريضة فوق وجنتيه ، ومسح الدهر جانباً من لمّته بفرشاة بيضاء ، زادت في وقار هيبته ..
مركزه الدائم امام فرشه ، وان كنت تريد ان تعلم مكانه بالتحديد ، فهو يقف في احدى زوايا « البرج » الشمالية .
حدثتني عنه صديقتي ، وكأنها تروي اسطورة من العصور الخالية .. ولم اصدقها ، اذ لم افقه معنى ما تقول ، وكدت انسى الاسطورة لولا مروري به امس ! ...
كان منعزلاً في زاويته ، وكأن ضجة المدينة طغت على حسه ، وحملت روحه الى البعيد ، فتركته صامتاً ، لولا عينان ترقصان في وجهه الشاحب .. وبالرغم من اني لا احب « العلكة » رأيتني امد يدي له بقطعة نقود ، واطلب منه
ان يزن لي مقابلها من حبّاته الصفراء .. ولم يلتفت الى البريق الوهاج على كفي ، بل ادار وجهه بهدوء وهو يتمتم عبارة تقليدية : « تكرم عينها .. اهلاً وسهلاً .. » ثم لف الحبات الصفراء بيدين مؤمنتين ، ذرّت حركتها في نفسي خشوعاً وحيرة ، ولم تمسح حيرتي العبارة التي راحت تتبع خطواتي : « بالهناء ... رافقتك السلامة » .. ولم ادر لماذا غمرني
الحبور ، وامتلأت نفسي نشاطاً دفعني لأسير بخطى نارية الى عملي .. ولا ادري لماذا تراقصت في مخيلتي ، ساعتئذ ، صورة لوحة ابصرتها حين كنت أهم بدخول غرفة مدير يشغل منصباً رفيعاً في الدولة ، وقد كتب عليها حضرته ، وبخط عريض هذه العبارة : « اقرأ هذه وعد من حيث أتيت » .. وذكرت كيف تراجعت لتوي وكأنما لدغت من جحر افعى ..
عصرنا يزداد جفافاً ، ونفوسنا القلقة تزداد صلابة مع فجر كل يوم ، وانما نحتاج الى نفحات طيب نبخر بها القلق في صدورنا ، والتجهم على وجوهنا ؛ نحتاج الى حفنات ندى يهدر دفقها في صدورنا ، وينعش الانسان فينا .. والا .. فنحن نسير بخطى سريعة الى اليبوسة ... وما اسهل كسر العيدان اليابسة !