وهجّت الانوار بالامس هناك في مصر الحبيبة .. انوار القنابل المحرقة التي هدمت المساكن فلم تستطع ان تهدم معنويات اهلها .. وقتلت الآلاف فظل من ظل بطلاً يثب ويثب حتى كانت معجزة النصر .
وهجت الانوار هناك فمضى الصغار يشتركون في المعركة فعلاً .. اما الاطفال دون العاشرة فقد كانت لعبهم البنادق والطائرات .. ومعاركهم تقليداً صحيحاً لمعارك الكبار .. ابى الصغار الا ان يشتركوا بالمعركة كيفما كان .. وصرح بائعو لعب الاولاد هناك ان الاقبال مدهش على شراء البنادق والمدافع والطائرات الصغيرة .. بل ان ٨٠ بالمئة مما يبيعون هو من هذه الانواع .
ولقد كان يحدث مثل هذا بالامس في فلسطين .. كان الصغار هناك يأخذون من المنازل خفية عن الامهات الادوات المعدنية ليضعوها على رؤوسهم خوذاً .. ثم يتسلحون بالبنادق الخشبية ويسيرون صفوفاً الى القتال الوهمي وهم ينشدون : « بلادي بلادي فداك دمي » .
هكذا يتأثر صغارنا ابداً بالاحداث حولهم .. وهكذا تأبى روح العروبة الا ان تثب الى شفاههم اناشيد حماس وفخر .. والى حركاتهم معارك ونصر .

صغارنا هذا الجيش من الامة .. الجيش الذي قدّر له ان يبني مجد الامة العربية من جديد .. ويبعث مجدها وفخرها من جديد .. ويسجل تاريخ وثبتها من جديد .. هل نستغل هذه الروح فيهم .. روح التأثر بالاحداث .. وروح تقليد الكبار من الجنود .. فننمي هذه الروح ونعززها ؟ ..
لقد وهجت الانوار انوار العيد في الاسواق .. ومضى الناس يحثون الخطى متأبطين لفافات الهدايا للصغار .. فالعيد عيد الطفولة المحببة .
ان صغارنا يعيشون اليوم في عصرهم الذهبي .. كل غال يرخص في سبيل فرحة قلوبهم الغضة .. ونحن وحتى الطبقة العاملة فينا تقتطع من ألزم ضرورياتها لتشتري هدايا الصغار .
انما .. وفي هذا الظرف بالذات .. ايجب ان نهدي الصغار .. وماذا نهدي ؟ ..
لقد يبدو السؤال غريباً ففلذات اكبادنا يجب ان يسعدوا .. ولكن اترانا نسعدهم فعلاً ببذلنا .. وكم تدوم سعادتهم ؟ .. لقد اتخم صغارنا هدايا حتى اصبح كل شيء عندهم بلا قيمة .. واكبر لعبة نقدمها لهم يلهون بها ساعات ثم يملونها .. لقد اتخموا وكدنا نخلق منهم جيلاً لا يعرف الا اللهو والمتعة .
ولقد اصبحت الالعاب عندهم ضريبة نؤديها صاغرين .. يصدرون اوامرهم العسكرية هكذا .. اشتري لي هذا .. اريد ذاك .. فنطيع ونطيع حتى كدنا نخلق جيلاً انانياً لا يفهم الا الاخذ .. اما ان يعطي او يبذل فلا .
ولقد تنافسنا في الاهداء والمبالغ التي ترصد له .. والهدية في الاصل رمز .. صغير يدل على الحب والعطف .. وعلى تبادل الحب والعطف .. فانينا وتعدينا الرمز .
ونتذكر الامس .. لم يكن للصغار خيول كأنها الخيل الحقيقية .. ولكن العود كان تحت الصغير حصانه الغالي .. يركض عليه ليقابل الاعداء .. يخوض المعارك من على صهوته ومتى انتصر عاد وربطه الى الشجرة .. وشبوا رجالاً لا يقفون امام المرآة طويلاً بل يحاربون في سبيل العزة والكرامة ..
لم يكن لهن لعباً تفتح الواحدة عينها وتغمضها ، فكن يصنعن من عود الشجرة المشعّب عند الرجلين لعبة .. ويوضع الزر المستدير وجهاً ويغطى بالقماش ليرسم عليه عينان وانف وفم .. ثم تجلس الصغيرة بجانب امها تخيط بمساعدتها فستاناً للعبة وهكذا تتمرن الايدي الصغيرة على العمل .. ومتى تم خلق اللعبة فيا للسعادة ويا للحرص الشديد عليها .

