التذكارية القديمة وتؤثر فيك ولكن اعجابك سيصدم حتماً اذا ما توقفت عند بعض التفاصيل :
فمغارة الميلاد محيطة بهالة من الذهب والمرمر حتى ليصعب عليك في جو الترف هذا ان تتصور هذه الحلوة المعتمة التي لجأ اليها ضالان في احدى الليالي الباردة .
اما اذا اردت ان تحلم بهذا الحدث الهائل فما لك الا مشهد ليلة من ليالي فلسطين بسمائها المنثورة بالنجوم اي شيء هناك ، ادنى صوت او جلبة ، او رائحة تهيء لك الجو افضل مما تفعله احسن اللوحات لتذكر الاشخاص الساذجين لهذه الليلة الالهية : الرعاة وخرفانهم ، المزارعون بايديهم الخشنة ، المجوس الثلاثة وهداياهم ...
فيما كان الطفل يسوع يرى النور وعلى مسافة الوف الكيلو مترات من بيت لحم ، كان ثلاثة من المجوس في صميم اسيا الصغرى يستطلعون الكواكب عن المستقبل .
المجوس يلحقون بالنجم
في تلك الليلة استرعت انظارهم بادرة غريبة : رأوا في السماء نجماً لم يكن لهم ادنى عهد به . ما عساها ان تكون هذه الشعلة النارية المتوجهة نحو الشرق ؟ ليتبعوها فقد توصل بهم الى اكتشاف سر عظيم . ولم ينسوا قبل الرحيل ان يتزودوا بالهدايا من الذهب واللبان والمر التي من شأنها ان تصرف عنهم تعدي قطاع الطريق .
ومشوا طويلاً حتى وصلوا الى القدس عبر جبال باهتة قلما تتغير المشاهد فيها وما من مرشد سوى هذا النجم العجيب .
وتظل القدس الى اليوم رغم ما قاسته من اهوال احدى المدن الست الاولى
في العالم مع نيويورك ولندن وباريس وروما وبكين .
واذ تبصر بها شاحبة رابضة على قاعدتها الصخرية تلم بماهية هذه البلدة الخفية المتواربة .
وفي عهد المجوس ، كانت هذه المدينة المنطوية على نفسها في حكم هيرودس : مليك عجوز يأبى ان يقر بتلاشي قواه ويعيش في خوف دائم من الموت .
وتشاء الاقدار ان يمر به المجوس ويفضوا اليه بغاية رحلتهم اذ انهم رأوا في الحلم ان هذا النجم سيهديهم الى طفل يصبح فيما بعد ملك العالم .
انصت هيرودوس اليهم باهتمام لكنه اخفى امامهم ما اعتراه من جزع وخوف واكتفى بان يلح عليهم ان يعرجوا عليه في عودتهم ويعلموه بمكان الطفل .
هيرودس يقتل الابرياء
فوعده المجوس الثلاثة بذلك وواصلوا سيرهم الى بيت لحم ولم تكن لتبعد عن القدس الا عشرة كيلو مترات . واذا بالنجم يقف فوق الاسطبل فيدخل هؤلاء المكان الوضيع وبين اكوام التبن ارضاً وادوات الحراثة يخرون ساجدين عند قدمي الطفل وينشرون لديه هداياهم ..
اما هيرودس فقد طال انتظاره لان المجوس غيروا طريقهم اثناء رجوعهم وكان حدساً باطنياً الهمهم ذلك . واساء هيرودس الظن بعدم عودة المجوس اليه فاصدر امراً بقتل جميع الاطفال الذين لا يزالون في القمطة ، لكن ! ... في هذه المرة ايضاً كان الملاك حارساً اميناً اذ يتراءى ليوسف ويأمره بان يأخذ مريم والطفل ويهرب بها الى مصر .
وفي ظروف غير هذه تجتاز العائلة مرة ثانية هذه الصحراء في اتجاه الجليل
ولكن بقلب مطمئن اذ ان هيرودس كان قد فارق الحياة .
فاذا كانت يهوذا ارض العهد القديم فالجليل هي ارض الاناجيل وليست هذه البقعة الجميلة ذات الالوان الزاهية ، كما تخيلها بعض الفنانين لا! انما هي تستمد سحرها من تساوق الالوان العاتمة فيها وتنويعها ، وتلك العذوبة الفريدة التي تهيمن عليها حيث انك تشعر في كل منعطف طريق بغمغمات الرحمة الالهية .
ففي الناصرة ، عاش يسوع طيلة ثلاثين عاماً بمعزل عن الشهرة .
ونعود هنا ايضاً الى النصوص الشعبية القديمة لنلم ببعض اخبار طفولته : فتصوره لنا طفلاً يمرح بين اترابه ولا يظهر بمظهر ابن الاله الا فيما ندر حين كان يجبل من الطين العصافير ثم يهبها الحياة بنفخة من فمه على مرأى من رفاقه ان الوقت لم يكن بعد قد حان ليتوجه بكلامه الى الجماهير ، كلمات كتب لها الخلود ... تنزه اليوم على ضفاف بحيرة طبريا فيخيل اليك انك تسمع همسات هذه الآيات البديعة .
لم يتغير شيء مذاك . فمياه البحيرة هي مياه الصيد العجائبي ، والسفن التي تتراقص على سطحها هي سفن القديسين بطرس ومرقص ولوقا - حتى اذا ما هبت الرياح في صحاري الاردن واثارت لجج طبريا تمتع عندئذ ما حلا لك ، بعاصفة من عواصف الاناجيل .
وفوق الرؤوس ترتفع هضبة لينة المنحدر .. على عشبها الهادي تنازعت الاقدار مصير العالم .
من عالم الغبطة هذا تفوه يسوع باقواله التي فتحت للبؤساء والمعوزين والمنكوبين ابواب الامل ، واسعة ...
