كان في نيتنا انهاء هذه السلسلة بعد عودة جبران الى بوسطن في اميركا ، وعودة روزينة الى اهلها في انطيكولي بايطاليا ، انما نزولاً عند الحاح قرائنا ومطالبتهم ايانا بالمزيد من هذا اللون الجديد ، عدنا الى صديقنا الفنان الذي لم يسبق له ان فتح قلبه لانسان ! - عدنا اليه نستزيده من هذه الذكريات الشيقة ، فلم يخيب ظننا - وهو السموح الكريم - وكان لنا منه غُنْم وفير سننقله الى قرائنا حفنةً حفنة ، في سلسلة جديدة نبدأها اليوم ...
ما زال حيث كنا... تجري حوادثنا في باريس عام ١٩١٢ .. يقصها علينا الآن ، من مقرّه في عورة ، شيخ فنانينا الاستاذ يوسف الحويك ، ملتزماً الواقع والصدق - ما طاوعته الذاكرة ...
ونحن حسبنا التسجيل ، رائدنا الامانة - ما طاوعنا القلم ...
كنت حديث العهد في باريس ، وافداً اليها من روما . وكنت ما ازال منصرفاً الى ترتيب شؤوني وتنظيم سبل معيشتي ، اجلس في الحين والحين الى جبران ، الذي كان قد سبقني الى هذه المدينة ، اسأله عن هذا الامر وذلك لعلي استفيد من اختباراته ونصحه . وفيما نحن ، يوماً ، نتناول طعام الغداء في مطعم صغير قرب حديقة « اللكسمبور » انتبهت الى جبران شارد الذهن ملتهياً عني . ولما سألته ابن هو ، قال : ما لنا ولمشاغل الحياة الان يا يوسف ، التفت الى يسارك ، الى تلك الحسناء الجالسة وحدها تأكل على مهل وتطالع في كتاب امامها ... كنت اراقبها ولاحظت انها بين برهة وبرهة ، تختلس النظرة اليك .. الم تشعر بسهام عينيها العسليتين ؟
والتفتُ الى حيث اشار جبران ورأيت العينين العسليتين تحدقان بي لترتدا بسرعة الى الصحن .. والى الكتاب .. تأملتها ملياً . كانت مكشوفة الرأس عن شعر مائل الى الشقرة .. وعن وجه ابيض بالغ النقاوة .. وكذلك يداها .. وكان على كتفيها شال رمادي مقصب الحواشي ...
قلت لجبران بعد تفكير - ليست هذه الفتاة باريسية ، على ما ارى ... من اي بلد هي يا ترى ؟
رفعت الفتاة رأسها مرة ثانية صوبنا ، وفهمت اننا مشغولون بها فعادت للحال بنظرها عنا الى الكتاب .
قال جبران : ليست بفتاة عادية . ان عليها سمة الاشراف ... لعلها دارسة اسكندنافية ؟!
عند هذا ، رجعنا نهتم بترتيب امورنا . وبدا ، ان جبران لم يكن راضياً عن دخوله اكادامية جوليان ... حيث الجو غوغائي لا يلائم مزاجه .. وحيث نصائح المعلم