لورنس لا تفيده بل هي آخر ما يمكنه افادته .. فضلاً عن ان اسمه غير معروف في اميركا ... وقال اخيراً :
- انا يا يوسف افكر جدياً بالشغل في محترفي حراً مستقلاً ، فما قولك لو تعاونا على دفع اجرة « الموديل » ؟
- هذا يوافقني كثيراً ، اجبته ، فليس في نيتي التقيّد في اكاديمية خاصة .. يمكننا ان نشتغل قبل الظهر في محلك حيث النور اكثر ملاءمة منه في محلي ، ونتردد بعد الظهر وفي المساء الى المعاهد الفنية الحرة .. وحيث يعجبنا « الموديل » ندفع الرسم ونشتغل على هوانا ...
- عال عال .. هذا ترتيب عظيم . وعلينا ان نزور المتاحف الباريسية والمعارض العمومية والخصوصية لكي نطلع على الحركة الفنية ... يبدو لي ان في باريس اليوم شبه ثورة في فن الرسم . ثورة جنونية . كلا ! ليس الفن ألعوبة .. الفن ، كالكتابة ، واسطة للتعبير عن الشعور ... سأضع قريباً بحثاً في هذا الموضوع ، يا يوسف .
وعرضت مني التفاتة الى جارتي الشقراء ، فاذا هي تنقد الخادمة ثمن الغداء وتهم بالانصراف ... تخطر بقامتها الهيفاء ، وقد ضمت شالها الرمادي والكتاب الى صدرها ... ولدى مرورها امام طاولتنا انحنت وسلمت بلطف ، دون ان تبسم او تقول كلمة ... وغابت بين الجموع ..
وراقت لنا التجربة فعلق عليها جبران :
- اما وقد حصل التعارف ولو دون كلام ، يهمنا ان نتحقق لمن كان السلام يا ترى ، لي او لك ؟
- على كل حال ، لن نتبارز بسببه !
وعلى هامش هذا التعارف « النظري »
راح جبران يقارن ويشبّه : كيف ان الكواكب في الفضاء الواسع تتقارب ثم تتباعد ... سألته مازحاً : - واذا حصل اصطدام ؟ تبسّم جبران وقال : - هذا موضوع شيّق لقصة عاطفية ، طالما عنّت لي كتابتها ، وانا الان ابحث عن ابطالي ... يعجبني مثلاً نوع بلزاك !
جاءت الخادمة تحمل صحن الفواكه فسألها جبران : - افيدينا يا جورجيت بما تعرفينه عن صاحبة الشال الرمادي ؟
- هي مدموازيل اولغا . روسية على ما اظن . تدرس في السوربون . لا يبرح الكتاب يدها . مسكينة .. لا تعاشر احداً
واستأنف جبران حديثه عن بلزاك كيف كان يطوف في الليل شوارع باريس القديمة يلتقط التأثيرات ليعود الى غرفته قبيل الفجر : يرتدي الزي الشرقي ويرخي الستائر الدمقسية على النوافذ والابواب ، ويعكف على الكتابة ...
وشرب القهوة - على هذا الوضع مثله رودان، لكن التمثال لم يحظ بكامل الرضى الا بعد نصف قرن غداة رفع عن قاعدة عند ملتقى بولفار راسباي ومونبارناس، فكان من اروع الآثار في باريس !
عدنا في الغد الى المطعم نفسه وجلسنا حيث جلسنا بالامس نأكل ونرتب امورنا ونتباحث في شؤون الادب والفن .
وتقبل الآنسة اولغا تهادى بالقامة المستقيمة الفارعة، جامعة الشال الرمادي والكتاب معاً الى صدرها، باحثة بعينيها عن طاولة حرة تلجأ اليها .
من التقاليد الشائعة في مطاعم الحي اللاتيني في ذلك العهد عندما تكتظ بالزبائن ، ان يشارك بعضهم البعض الجلوس على الموائد دون تكلف ...
- ادعها يا يوسف !
- ادعها انت يا جبران !
واذ نحن في غمرة من التردد ، بدا

