إن الآنسة أولغا كانت أشجع منا ، لأنها
تقدمت نحونا بتؤدة وسألت في أدب
جم : - هل تسمحون لي أيها السادة
بالجلوس معكم ، سوف لا أثقل عليكم ؟
في لمح البصر أفسحنا لها المكان
الرحب ! وبدأ جبران يكلمها بالانكليزية
... كانت تجيدها .. لكنها ما لبثت
أن التفتت نحوي سائلة إن كنت أنا
أيضاً أحسن الانكليزية - أجبت بالنفي .
من اللائق إذن ، قالت ، أن نتكلم جميعنا
لغة البلاد - اللغة الفرنسية . وسألتنا عن
لغتنا - قلنا : - العربية !.. قالت :
- حبذا لو تمكنت من دراستها . إن
تعلم اللغات الشرقية هو ضمن دائرة
تخصصي ..
جاءت الخادمة تحمل صحن المقبلات
وتستعلم من الآنسة أولغا عما عساها تريد
من ألوان الطعام - فنظرت إلى الصحون
أمامنا وأجابت : - مثل هذه الألوان :
- « روزبتة » وبخة أرنب ... وسلطة
روسية -
وراحت تشرح لها كيفية تجهيز
السلطة الروسية لكن جورجيت طمأنتها
إلى قدرتها على ذلك وأوصتها همساً قبل
أن تنصرف : اهتمي الآن بنفسك ، لا
تدعي « اثنين » يتغلبان عليك أنت لست
« مسكينة » بعد .. واثنان أقل خطراً
من واحد ! هكذا علم الاختبار بنات
باريس ... كوني على ثقة !
بدأنا نتوسع في التعارف ونأكل على
مهل : - الآنسة أولغاح . من مدينة
تومسنك - سيبريا - سفرة ١٥ يوماً بالقطار
إلى باريس - جاءت تتابع دروسها العالية
في علم أصول الكلام والآداب الافرنسية
والموسيقى ، لكي تتمكن بعدئذ من
إدارة هذه الفروع في جامعة تومسنك
حيث يشغل والدها وظيفة المدير .
- وجبران من لبنان . هاجر مع
والدته واخواته واخيه إلى الولايات
المتحدة . وقد ساعدته العناية الإلهية
ليجيء إلى باريس ليتقن فن التصوير
ويتمرن على الكتابة .. وعنده أشياء
يقولها للناس . وهو يجد لذة كبرى في
الكتابة والرسم ...
قال ذلك بالانكليزية فارتسمت في
عيني الآنسة أولغا علامة استفهام ...
وحولت نظرها نحوي ...
- أنا أيضاً قد ولدت في قرية صغيرة
ضائعة في جبال لبنان وجئت إلى باريس
عن طريق رومية لكي اقرن ... على
ما يروق لي ... فن التصوير والنحت ...
علم الفلك .. والحياة ...
قاطعتني الآنسة أولغا بلهجة جدية :
- هذا شيء مبهم ياسيدي. من الضروري
أن يكون للإنسان غاية واضحة في
الحياة ، يسعى وراءها بنشاط ... أرني
كفك !
« بلعت » الملاحظة ومددت لها كفي
طائعاً ، فصارت تتابع خطوطها بامعان
دون أن تقول كلمة ، ثم تحولت إلى
— البقية على الصفحة ٥٢ —

