كانت في الليل وحدها - دائماً وحدها - تأوي الى غرفة متواضعة ، في حي من احياء بيروت . فتقفل بابها من الداخل ولا تفتحه لاي موجود !
في الصباح - قبل ان تزدحم الاقدام والدواليب كانت تأخذ طريقها الى مشغل الست نور في العاصمة ، فتنتظر فيه الكناسة ، وتساعدها في ترتيب اغراضه والآته ، وتبتدىء بالعمل قبل مجيء العاملات .
عينها في عملها - اذا سئلت تجيب برزانة وضبط ، ولا تسأل الا اذا احلت عليها حاجتها الى الجواب .
وفي مساء بيروت الهائج والمتراكم ، والمتصادم المتلاطم بالرائحين والجائين ، والمنتشرين في المقاهي والحانات ، والمتزاحمين على ابواب معارض الصور المتكلمة - كانت تعبر ذلك البحر الصاخب ، الى غرفتها دون ان تلطمها موجة او تحركها نسمة ، او تعلق على حذائها لوثة وحل .
اسمها نجوى . في الثامنة عشرة من عمرها . وجهها اسمر محروق . على شيء من الجاذبية والجمال العادي .
« مسكينة نجوى » كانت تقول رفيقاتها ، فقد كان الاحرى بها ان تكون راهبة في الدير ! »
- وكان هو - شاعراً معروفاً في الاوساط الادبية ، يعمل كاتباً في احدى صحائف بيروت ، بمرتب يكفل له الكسوة والقوت ، كان من شباب الارصفة الهائجة ، تلتف حوله عصبة من
رفقائه حين يترك عمله ، ويتركون اعمالهم ومدارسهم ، فيسرحون ويمرحون ... وينتهي بهم مطافهم غالباً الى حضور فيلم جديد.
وقد طالما كانوا يقفون على الارصفة ، ليغربلوا البنات المارات .
« هذه حلوة وهذه معها دوطة كبيرة - وتلك قامتها مثل الرمح - وهاتيك سمراء والاخرى شقراء ... »
واذا صودف ليلة - ان مرت نجوى - تلك العاملة بعمل القبعات يلتفت الى الشاعر رفقاؤه - يلتفتون الى قطب دائرتهم ، ويقول واحد منهم بزهو :
« اننا ننتقي لك هذه الفتاة صديقة » .
ويقول آخر - اذ يراها لا تأبه لاحد : لكنها صعبة على ما يظهر .
ويقول غيره حين تختفي دون ان تميل عينها الى غير طريقها: كأن هذه الفتاة راهبة!
طريقه من قدام المشغل - يصابح بابه ويماسيه في كل يوم ، بنظرة آلية كانت بقوة الاستمرار تعرف دربها الى عينين في الداخل لا يكاد يشعر الراؤون بانها تلتفتان الى الباب في اترام الذهاب والاياب .
وكانت الست نور - صاحبة المشغل - تجلس على مقعد مخملي ، امام منضدة براقة ، بجانب المدخل .. وفي كثير من المرات تلمح نظرات فتى شاردة ، لكنها لم تكن تهتدي الى الهدف الذي تصيب .
« يا عمري ما اجمله » ، تقول في مكان عميق من نفسها . وسألت عن الاسمر الهزيل الجذاب ، فلم تعرفه واحدة من بنات معملها . وقالت احداهن :
« اننا نشهده بعض المرات مع زمرة من اصدقائه على الطريق »
وقالت غيرها بلهجة هازلة : اسألي نجوى ياسيدتي ، اسألي الراهبة انها اخبر منا جميعاً بالأمر .

حينئذ التفتت الست نور الى الفتاة المنصرفة الى عملها وسألتها باستخفاف : اتعرفينه يا نجوى ؟
فأجابت راهبة المشغل ، اجابت بكلمة لم يكن احد ينتظرها :
اجل ! اني اعرفه ، ياسيدتي . هو شاعر وكاتب ومحرر في احدى صحائف بيروت . واحمر خداها حين اكملت قائلة : وهو ايضاً جارنا في الحي .
فقالت بنت شيطانة : اذا لم تعرفه نجوى فمن تريدين ان تعرفه من البنات ؟ .
ومر في اليوم التالي ، فاستلفت نظر العاملات الا نظر نجوى .
وكانت صاحبة المشغل - المشهورة بوفرة من عندها من الاصدقاء ، بين افراد الطبقة الراقية - كأنها احببت ان تضيفه الى لائحة اصدقائها ، فسرقت وجهه بآلة التصوير ، وكبرت ذلك الوجه المسروق ، ووضعته في اطار ضمن ردهة قصرها المعنق ، المتربع كالجبل على سيف البحر . وقررت ان تصطاده مهما كلفها الامر .

