كان هذا كله في بدء تخطيها سني اليفاعة.
وراحت تنتظره، الفرصة تلو الفرصة، لتحدثه حديث نفسها الشجي، فكان يعدها ولا يفي.
وتمر الايام سراعاً، متلاحقة في غير ما رحمة... ويتوغل الاستهتار بالأخ الحبيب... فينسى البيت والاهل، ويعاقر الخمر ويهوى القمار.
وتسحّ عينا اخته بالدموع، انما بينها وبين نفسها. وتعزف هذه النفس القلقة عن اللهو وعن الطعام، عزوفاً لا تجدي فيه حيل الاطباء ولا عقاقيرهم.
وينتهي بها الامر في ان تنحل نحولاً يخشى منه الاطباء على صدرها، فيرسلون بها الى احدى المصحات حيث تراود نفسها على الانتحار غير مرة.

ولكن هل تتركه يتخبط في هذا الاندفاع وحيداً هكذا دون معين يقيل عثرات الاعوجاج؟.. اذن فستحيا، وستساعد اطباءها على الشفاء السريع.
ويمر شهر وشهر، ويعود المريضة افراد العائلة واحداً واحداً، وكذلك الصديقات واللدات؛ الاه هو، اجل،
اخوها الحبيب، الذي كرهت الحياة من اجله، ثم عادت فأحبتها من اجله كذلك.
وفي المصحة، تتعرف على اشياء لم يكن لتتسنى لها معرفتها فيما لو ظلت في محيطها، وضمن نطاقها الضيق. وتقابل العالم بغير الوجه الذي ألفت ان تقابله به.
لقد واجهت الشقاء في الناس على انواعه، فما عادت لتأبه بشقائها الخاص، واجهت مع المرضى الازمات المختلفة، فتعلمت منهم كيف تصمد لها وتتحداها.
لقد كانت مثاليتها فيما مضى من حياتها تتمشى على صعيد فلسفي نظري، فغدت بعد معالجتها تلك الملمات... عملية تطبيقية. لذلك بدأ يهون عليها شموخها الخلقي، حتى اصبحت تجد لكل بادرة من بوادر الناس المستهجنة عذراً تقدمه بين يدي ادعائهم.
وهكذا خفضت جناحيها المحلقين عالياً، لتكون انسانة اصيلة، ففي هذه الانسانية من التفاعل ما لا تجده فلسفات الكون مجتمعة.
ولكن هل قدرت حقاً ان تكون تلك الانسانة التي تنكر كل ما له صلة
بالماضي.. لتخلق نفسها خلقاً جديداً؟
وهل تسنى لها ان تنسى ذلك الأخ الصغير، الضارب في الارض بعيداً بعيداً، انها ان فعلت اذن، لأنكرت احلى وامتع اوقاتها.
وهل ما يعوض الذكريات العزيزة المراح، التي طالما عاشتها، كما لم تعش حياتها العملية الان مرة، حينما كانت تجيء اليه متلهفة النفس من بلد الى بلد، تعايشه لفترة من الزمن حياته البسيطة المتقشفة، تاركة بيتها الوالدي، الارستقراطي النهج، يأسو لفراقها.
وهناك.. كانت تتعهده احنى ما تكون امّ؛ ويستكين هو الى نداءات هذا الحنان الذي حُرمه صغيراً، وتأباه كبيرا.


