ويروح يتعهدها بدوره ، اكمل ما يكون رجل ضاربا بنزعاته الشخصية إلى الوراء ، مندفعاً في الحياة الرتيبة التي تحبها ما وسعه ذلك .
وفي الأمسيات ، التي لا يظهر فيها القمر لينير طريقه الشاق ، كانت تقف على الشرفة من بيته المتواضع ، تنتظره الساعات الطوال ، اذ يعود من عمله متأخراً ، فيصعد اليها متعجلاً ، وقد شدّت به اللهفة إلى لقياها ، حتى اذا ما اوشك ان يصل ، اخذ يصفر لها لحناً تحبه منه ، فما اسرع ما ترد عليه بألفاظ منغومة كانت قد اخذتها عنه للتسرية ، وتواجهه لدى الباب تطفر السعادة من عينيها الجميلتين .
وخلال السهرة ، واثناء الطعام ، كان يزجي اليها نكاته ، ويحكي لها مقالبه المبتكرة التي واتته في النهار . ويضج المنزل الصغير بضحكاتها فرحاً معربداً .
وعندما تضع رأسها على الوسادة للنوم ، كان يأبى هو إلا ان يقص عليها حكاية من حكاياته الممتعة ، بعد ان يطفئ النور ويأوي إلى فراشه . ذلك لانه كان يعلم ان اخته المدللة قد اعتادت منذ الصغر على ألا تنام ليلاً إلا على حكاية جديدة ، تهدهدها دمدمتها الرتيبة فتغفو على احلام بكر من الاماني الراقصات .
فهل بامكانها ان تمحو هذا كله من سجل ماضيها ، ضاربة بذلك السجل الضخم الحافل ، الفضاء الوسيع ، الذي فتحت عينيها لاول مرة على افتراراته الوضاء ؟

