وينزل اقيتو الدرجات ويقف دونها. ويتطاول للمس الوشاح الذي بيدها، ولكنها تمنعه من ذلك قائلة:
- يمكنك تقبيل طرف ثوبي، فقد طرزته بنفسي.
فيمسك اقيتو بطرف الثوب ويغمره بالقبل. فتستدير نحوه شيئاً فشيئاً، فيقربها منه، ويأخذها بين يديه وهي بين الوعي واللاوعي، مردداً أغنية: «انا ظمآن، انا ظمآن!». ويغيب العاشقان في قبلة نشوى تذهلها عن كل شيء.. حتى عن وصول ارشيبالدو وفلامينيو.. ويذعران عندما يصيح الملك العجوز: «فيورا!» ويستل اقيتو سيفه من غمده ويندفع نحو الاعمى، ولكن فلامينيو يقف دونه، فتشير فيورا الى حبيبها بالفرار، فيهرب بكل هدوء وسكينة. وعندما يسأل الملك عمن كان على الشرفة يجيب فلامينيو بصدق: «لا احد». ولكنه يقول ان مانفريدو قد اعاد جواده وهو راجع الى القصر. فيأمره ارشيبالدو بالذهاب لاستقبال سيده وتحيته.
ويبقى الملك وفيورا وحدهما فيطلب اليها معرفة عشيقها. فتنكر ان يكون لها عشيق، فيزداد غضباً لانكارها. ويمسك بخناقها وهي تتهالك على مقعد بجانبه. ولا تلبث ان تعترف بوجود عشيق لها تحبه حباً حقيقياً، وانها لا تحب مانفريدو، ولكنها ترفض الادلاء باسمه حتى لو كلفها ذلك حياتها. وفي غمرة غضبه وثورته يشد بأصابعه على عنقها، فتموت خنقاً قبل ان يدري ما يفعل.
ويقبل مانفريدو هائجاً، فقد رأى
فيورا والوشاح الذي لوحت به عندما كان في طريقه الى الوادي، ولكنه بعد قليل لم يبصرهما، فتولاه القلق وعاد الى القصر ليعلم بما حدث. ويرتعب لرؤية والده واقفاً امام جثة زوجته. ويرجو ارشيبالدو ابنه بيأس ان يناوله حسامه كي يموت هو كذلك، قائلاً:
لقد قتلتها لانها كانت ملوّثة بقدر ما كانت جميلة!
ويسأل مانفريدو بقلب محطم عن اسم عشيقها فيقول له والده انه لا يعرف اسمه لأنه اعمى ولم يستطع رؤيته. ويمنعه من التطلع الى فيورا كيلا يرى آثار اصابعه حول عنقها، قائلاً:
سر امامي، يا بني، فاتبعك.
ويغادر مانفريدو الشرفة بخطوات بطيئة يثقلها الحزن الشديد، يتبعه ارشيبالدو حاملاً على عاتقيه جثمان فيورا.
الفصل الثالث
المشهد: الناووس في كنيسة القصر.
جثمان فيورا مكسو بثياب بيضاء، وقد وضع في ناووس. ومن الكنيسة القائمة فوقه تسمع ترانيم الجوقة. وهذه جماعة من اهالي التورا، رجالاً ونساءً، يقفون باحترام وخشوع، ورؤوس محناة حوالي النعش، يبكون اميرتهم الحسناء. بعضهم يستشيط غضباً ويطالب بالانتقام من قاتلها. ولكن غضبهم ما يلبث ان يتلاشى، ويغادرون المكان بعد ان يقرع الناقوس مؤذناً بالجناز.
وعلى اثر انصرافهم يتسلل اقيتو الى الناووس ليودع حبيبته الوداع الاخير. ويتغلب عليه الاسى فينحني فوق جسدها
الهامد ويطبع على شفتيها الباردتين قبلة طويلة حارة... ثم ينهض فجأة بعد ان يشعر برعشة رهيبة تسري في اوصاله. فيتبين له انه يموت، فيغتبط لذلك. ويتحامل على نفسه ويتجه نحو الباب فيفاجئه مانفريدو الذي يخبره ان ارشيبالدو قد وضع سماً على شفتي فيورا لاكتشاف هوية عشيقها.
الا ان اكتشاف مانفريدو هذا لا يقلل من اساه، ولا يذهب بشقائه. فمعرفته عشيق زوجته يثير فيه الندم والحسرة على ان فيورا لم تحبه بدلاً من اقيتو. ويمدد جثمانه على الارض، ويعجب كيف انه لا يشعر بأي حقد على غريمه.
وفي غمرة حزنه ويأسه يلقي بنفسه فوق جثة فيورا ويلصق شفتيه بشفتيها. وعندما يأخذ السم يسري في جسده يدخل ارشيبالدو مغتبطاً بانه وجد العشيق الآثم. ولكنه يسمع حشرجة ابنه، فيصيح بألم ويأس عظيمين...

