مرّ على تألق الحركة الفنية في فلورنسة خمسة قرون وما تزال حتى يومنا هذا ، الينبوع الغزير ، تستقي من روافده الصافية اوربا ، ومن ورائها العالم كله .
لم يسجل التاريخ حركة فنية اصيلة اعطت ثمارها الخيرات كهذه الحركة . والفضل الاول فيها يعود الى امراء ماديسي الذين حكموا فلورنسة وعرفوا ، اثناء توليهم الحكم ، كيف يستغلون اموالهم لبعث الفن ، فاحتضنوا الفنانين وخصصوا لهم المعاشات السخية مدى الحياة ، شرط الاتيان باجود النتاج الفني واكثره اتقانا ... ومن هنا تقليدهم المعروف حتى اليوم ، يبدو بحماس ، في ابداعهم الفني وتوقهم - ابداً - الى خلق الافضل والاحسن .
قامت نهضة فلورنسة الفنية على شكل مباراة في بناء افخم الكاتدرائيات وأروعها . وفي عهد الامير كوسمو دي ماديسي لزم احدى الكاتدرائيات باب من النحاس فأقيمت مسابقة بين الفنانين كان المتجلي فيها فناناً شاباً اسمه جوبرتي ، فكفل له كوسمو حياته المادية على ان يجند مواهبه وقواه الفنية كلها للعمل .
ولما كان على فراش الموت ، والباب لما ينته بعد ، دعا الامير كوسمو ابنه لورنسو ولي العهد وأوصاه بمهام الملك . وكان آخر ما قاله له : اوصيك خيراً بجوبرتي ، احرص على ألا ينقصه شيء !
في هذا الجو المنعّم المعزّز ترعرع الفن في فلورنسة ، فكان الفنان الشبعان المطمئن الى مصيره المادي ، ينصرف الى الانتاج بكل جدّ واخلاص ... في هذا الجو نشأ ميكال انجلو وليوناردو دي فينشي وغيرهما ... وتكدست حدائق فلورنسة ومبانيها وساحاتها بالروائع الخالدات التي تملأ الان متاحف العالم .
xxxx
ذكرت ذلك بالأمس ، عندما زرت معرضنا الخريفي ، وكنت آمل ان اشاهد اسماء اغنيائنا مشكوكة الى اللوحات والتماثيل ، علامة شرائها ( اللهم ان لم يكن لتقديرهم اياها فعلى سبيل التشجيع ) ولكن خيّب أملي ابتعادهم عن هذا الجو وانصرافهم الى شؤونهم الدنيوية الخاصة . وتساءلت في غصة قاهرة : ماذا يؤثر في اصحاب الملايين عندنا - وهم ليسوا بقلة حمداً لله - ماذا يؤثر فيهم لو رصد كل واحد منهم الف ليرة فقط في العام لتشجيع فنان ؟
انني ألمس وأحسّ حالة العسر القاسي تسيطر على جماعة الفنانين في بلادنا . ولا اعلم بعد ، كيف يمكن لمواهبهم الفنية ان تورق وتزهر في غمرة العوز والتعَس ، في جوّ تهدده الفاقة والجوع ؟!
اغنياؤنا الغارقون في ترفهم ووجاهاتهم بحاجة الى من يهزهم ويوقظ ضمائرهم الى بعض واجباتهم كمواطنين ، لهذا الوطن عليهم حق مقدس ، منه الالتفات العطوف الى الفن واهل الفن . لعل هذا الالتفات يكون في غدٍ ، افضل ما يسجله لهم التاريخ من اعمال .
حبذا لو يقرأ اغنياؤنا سِيَر امراء ماديسي ، عسى بينهم من يعي ويقتدي .

