الخوف من الخوف
ليس غريباً ان نتحدث عن الخوف كلما شدت اصابع ازمة من الازمات على رقابنا ، ولعل اكثر الازمات استعصاء على حيلتنا الانسانية كوارث الطبيعة اذا جاءت مفاجئة كالفيضانات والحرائق والزلازل . كنا نفرك ايدينا ونحن لا نكاد نصدق ان الزلزال الاخير قد مرّ بسلام وترك لنا نعمة الوقوف على رجلين .
اجل لم يكن غريباً ان نخاف ، بل كان غريباً الا نخاف وقديما قيل « لا يطيق الخوف الا الشجعان . » ان احتمال الخوف نفسه قدرة لا بد من ان نعترف بها .
والخوف بعد هذا ليس شراً كله .
تسألوني كيف ؟
حسناً اني ارد الى الخوف الكثير من الفضل اذ ارى حضارتنا مدينة له .
كلام يبدو غير ذي مسؤولية في ظاهره اليس كذلك ؟
ولكن دعونا قبل ان نقطع بشيء نتأمل في الخوف ، بلا خوف !! خاف الانسان القديم هجمات الضواري ليلاً فاهتدى الى الاضاءة .
خاف الجوع فكانت تربية المواشي وكانت بعده الزراعه .
خاف العري والبرد فكانت بداءة الصناعة ، وصار الانسان نساجاً ، بناء عاملاً في كل ما من شأنه ان يقيه شيئاً ما .
خاف اعداءه فكانت الاسلحة .
خاف الملل فصار يفكر ، ويعبر ، ويرسم ويلعب على آلات الطرب .
خاف الفناء فقامت فلسفات الميتافيزيك خاف المرض ، فكان الطب وكان الدواء .
خاف من نفسه ، من اسلحته ، من قدرته على الافناء فقامت دعوات السلام ، والتعايش السلمي ، وعصبة الامم ، والامم المتحدة .
ان خوف الانسان من الخوف غريزة بناءه اولى بنا الا نحتقرها وان نعيرها لفتة مأنوسة من نفوسنا .
انها اساس خط الدفاع ، دائماً .
الا بورك الخوف !
الفنجان والتفكير التفاؤلي
ليس اطرف عندي من مراقبة الناس وهم يقلبون فناجينهم ويتوسلون الى من يتوسمون فيه القدرة على قراءة الحظ ان يقول لهم شيئاً .
هذه الدقائق ، بين قلب الفنجان وابتداء القراءة ، تجسم نمطاً من التفكير التفاؤلي الرائع .
اجل منظر طريف ، واحد - او الاصح ان تقول واحدة - تتطلع بعيون تتأرجح فيها اللهفة ، واخرى تصطنع الوقار وهي تمسك بخيط المصير المختفي وراء تعرجات البنّ الناشف .
وتحكي هذه فتكاد تقفز عيون تلك فاذا كان الخبر من نوع « قبضة فلوس » و « خبر سار » « ورسالة بعد ثلاث
اشارات » ، فهناك ابتسامة عريضة تكاد تبتلع رقعة الوجه . واذا كان في الفنجان عداوات ، ونكزات ، وخسارة في صفقة ما ، فهناك خيبة امل تود لو تحطم الفنجان وقارته معاً .
فلسفة كبرى تمثلها مسرحية الفنجان هي ان التفكير التفاؤلي طبيعة في الناس ولكن واقع الحياة لا يكون تفاؤلياً دائماً !
الهلال الجديد
كنا مجموعة اصدقاء ضمتنا سيارة رشيقة راحت تقطع بنا الشارع المحاذي للبحر .
المساء في اوله ، والطبيعة لوحة تراقصت عليها الف ريشة فنانة . وكان احدنا قد شرد ، اعطى عيونه للسماء وللبحر ولكل ريشة فنانة تتراقص ما بينهما .
وسألنا مازحين بعد ان طال شروده عما هنالك فقال : « اني استجلي الهلال الجديد ، ما اشبهه بزورق تحتضنه بحيرة مسحورة »
وتصدى واحد منا وقال : « تقول الهلال الجديد ؟ . اين هو ؟ دعني اراه » .
ومد رأسه من النافذة يبحث عن الهلال حتى وجده ثم اخرج من جيبه فرنكا تأمله وقال بنشوة : « ريتك علينا شهر مبارك » . امام الهلال الجديد رأيت المجموعة الانسانية تنحصر في اثنين : شاعر ، وتاجر !

