مرّ ثلاثة عشر شهراً على فيضان نهر «ابي علي» في طرابلس، وما تزال منذ ذلك الحين نسمع الكثير عن المآسي المروعة التي سببتها هذه الكارثة الاليمة. ولعل من اغرب هذه القصص وابعدها تأثيراً قصة الفتى احمد شوقي ابي زيد، التي كان اول عهدي بسماعها عشية الجمعة في ١١ ك ٢ ...
كنت في استديو الاذاعة اللبنانية استعد لتلاوة نشرة الساعة الثامنة فاذا بين الاخبار المحلية خبر هذا نصه :-
«اثناء فيضان نهر «ابو علي» عثر على
فتى في الثالثة عشرة من عمره، وهو مصاب من الخوف بصدمة عقلية افقدته ذاكرته تماماً، فاصبح يجهل اسمه ونسبه ومسقط رأسه، ومحل اقامته، وكل ما يتعلق بماضيه وبفضل المعالجة الطبية التي لقيها استعاد حالته الطبيعية، ولكن ذاكرته بالنسبة الى ما قبل تاريخ النكبة ما تزال مفقودة تماماً.
والفتى يتعاطى اليوم عملاً في فندق حيفا - بيروت - ساحة الشهداء - ويعرف باسم وهمي اطلقه على نفسه، وهو احمد شوقي.
ومن اوصافه انه ربعة في القامة، اسمر اللون، اسود العينين، يرتدي بزة كاكية، ولعل في اذاعة هذا الخبر ما يهدي ذويه اليه في المحل المذكور وهو فندق حيفا - بيروت».
××××
اثناء قراءة الاخبار حانت مني التفاتة صوب مهندس الصوت فاذا بجانبه فتى اسمر مربوع القامة، يلبس بذلة كاكية، الهمتني نفس لحظة انه هو الفتى بعينه لا سيما وانني كنت قد سمعت من الزملاء بان «احمد» جاء بنفسه خلال النهار وحكى قصته وان رئاسة الديوان اخذت
للقضية اهميتها فلا يستبعد اذن ان يكون الفتى قد عاد ثانية للتأكد ان خبراً عنه سيذاع بالفعل ...
.. وكان حقيقة ما خيل اليّ وكدت اتلعثم في قراءة الخبر وما تلاه من اخبار. الله! كيف اسرتني تانك العينان السوداوان ترنوان في خوف وقلق ... وتحركت في عاطفة الامومة، بل عصفت في عصفاً، وما صدقت ان خرجت من الاستديو لاقابل احمد واهز يده محاولة الابتسام والتشجيع .. اما هو فلم يرد ابتسامتي واكتفى ان طلب مني بادب ان اساعده اذا شئت، وناولني ورقة ترمي


