
قال محدثي بصوت متهدج : كنت ابكي في صغري ، ولما كبرت ، تعلمت كيف اجفف الدموع ، وانقطع بكائي .. وليلة امس ، عدت طفلاً .
وتابع حكايته :
كتبت مسرحية واخرجتها مع زملائي الطلاب ، وقدمناها للجمهور ، بعد ان غرسنا فيها كل ذرة من ارواحنا وكل نفحة خير في نفوسنا .. قدمنا ارواحنا تلك الليلة ، وعلى صواني فضة للحضور .. ومثلت انا الدور الرئيسي .. لقد عشت على المسرح ونسيت من في القاعة حتى سمعت اصواتاً تنطلق من زوايا القاعة لتعكير صفاء الجو .. واجفلني الانتقاد الذي راح يكيله لنا الحضور الكرام .. لكني تابعت الدور .. ونجحت التمثيلية ، وصفق لها الجمهور طويلاً ، طويلاً ، لكني بقيت خلف الستار ، لا اشاء ان ارى المهنئين .. وبدل ذلك بكيت .
وما انتهى محدثي من روايته حتى ترامت لي عشرات الحكايات احار ايها انتقي الان ، وكلها تعبر عن فكرة واحدة .. قتل المواهب .. سحق العبقريات في مهدها .. هدم المعنويات .. ولماذا ؟ .. لاننا سلبيون ، ولانه ينقصنا النقد الصحيح .
اجل ، نحتاج الى نقد صحيح في الفن ، والادب والاجتماع ، شرط ان يكون مجرداً عن العواطف والاهواء الشخصية ؛ فيتناول المادة ، يمحصها ويبرز العناصر الطيبة فيها ويشجع نموها .
روت احدى الكاتبات ، انها كانت تعمل سكرتيرة لاحد الفنانين الكبار حين دخل شاب يحمل لوحة ، شاء ان يعرضها على الفنان ، ليقف على رأيه فيها ..

فهز هذا رأسه بعد ان تامل اللوحة ملياً ثم قال للشاب : انصرف عن الفن الى اي
مهنة اخرى ، والا تذهب حياتك سدى .
وصعقت السكرتيرة الرقيقة القلب ، خاصة وانها اعجبت بوسامة الشاب ومرحه وتمنت لو تقذف اللوحة في وجه الفنان الشيخ .. لكنها عدلت عن فكرتها حين التقت بالشاب نفسه بعد عشرة اعوام وكان قد اصبح من اكبر رجال الاعمال .. لقد ادركت عند ذاك ان الشيخ كان على حق .. لقد صارح الشاب بالواقع ، وأغناه عن التعب ...
الى امثال هذا الناقد نحن اليوم باشد حاجة .
