


تعذبني ايام تصل نهاية ببداية :فحياتي انا لم تبدأ في تاريخ معين ،ولن تنتهي ابداً !من انا ؟انا كل انسان يتمرد على الزمان ،وعلى المكان . والذي هو ، دوماً فيصراع معها !
في قسوة البرد ، وفي رعدة الاصابع ،ونغمة الحذر في العظام ، كنت اسيرتائهة في الشارع ، كأنني اخطو فوقالرصيف . وفوق المارة . وفوق البنايات... وفوق الزمن ... لا الى البيت .ولا الى معهد الاداب . ولا الى مقرعملي ... لكن ، الى اللامكان ...واللانهاية ...
واصطدمت ، فجأة ، بسيدة تحمللفائف عديدة ، تغمرها كالحبيب بينذراعيها ويصحبها طفل يحفف الورقالملون بخده ، ويشمشم كالجرو رائحةجلد الحذاء الجديد ، ويوزع في الفضاءابتسامات رخيصة .
لم تغضب السيدة ، حين ارتقتالاكياس البيضاء ، بين قدميها وقدمي .انما شكرتني ، بلطف ، بعد ان ساعدتهاعلى غمر اللفائف ، والبائع يتعثر بابتسامتهعلى مدخل دكانه . والناس ينزلقونبهدوء بيننا نحن الاربعة : السيدة ، والطفل ،والبائع ، وانا ، كأنهم سئموا هذا المنظر ،
او اعتادوه !
البشر محفور على وجه السيدة . البشرمحفور على وجه الطفل . البشر محفورعلى وجه البائع . البشر محفور على وجوهالمارة ،فمن اين لهم هذا الاطمئنان ؟أمن تلك اللفائف : تسعد من يبيعها ،وتسعد من يشتريها ؟
تسمرت مكاني ... وسيل الوجوهالمبشرة تحملق في وجهي المنكمش ،الخائف ، الحيران ... وشفاه بعض الشبانتصفر لحناً داعياً ، ملجأ ، مبتذلاً ...وشفتاي ميتتان : ليبسها جبن هاجر ،مستخف ، مغرور !
حركت رجلين ، اقعدتها عنالحركة ، فكر تتأهب للعصف ، والدويوالتحطيم ، لتخلق ، فكراً ملائمة تسكنالجسد ،
هكذا حياتي ، انا الانسان المتمرد :في كل لحظة بداية . وفي كل لحظة نهاية .بداية ... ونهاية ... نهاية ، وبداية ...
وبعد ان تمكنت من متابعة زحفيعلى الرصيف ، خطر لي ان :ألمس بعض المارة ، ان امر بيديعلى وجوههم . ان احدق في عيونهم .ان اشد على اصابع ايديهم . ان اقتربمنهم ، لاحس بانبعاث الحرارة مناجسادهم .. علي اقضي على خوفي منهم !
لا ، انا لا اتفلسف .انا لا اؤمن بفكرة مذهب . اومبدأ حزب . او رأي شخص معين .انا ، وفقط ، احس بانني غارقة هنا ...هنا ... في قلب الحقيقة والواقع : ارىقشرة الموز على الرصيف . عقب السيجارة .الاعلان على الحائط . السعادة في عينين .القبح على وجه ...
واسمع الضحكات الفاجرة . والصراخالصامت المكتوم . والدعوة على فم .والجمل التافهة التي يرددها الاستاذ ،كالببغاء ، عن ارسطو ، والفارابي ، ونحلالادب الجاهلي ، وعلم الاجتماع ...كما اسمع جملاً غيرها ، يسكبها المذيع فيآذاننا ، خطيرة هي ، عن اضطرابسياسة شرقنا ...
ويؤلمني قلق مجرم ، في كل ما اسمعوما ارى ، وما احس !
حاولت في الايام القليلة ، ان اداويخوفي . اعني : حاولت ان لا اسمع .ولا ارى . ولا أحس .
حشوت حقيبة يدي بليرات عديدة .دخلت اكثر متاجر العاصمة ، حييت فيهاالبائع ، منحت المستخدم ابتسامة ،وانتزعت من المشترين نكتة ، ساعدتسيدات على اختيار الالوان ، والهدايا ..ثم غادرتها ، تحتمي بشبكة ذراعي لفائفبيضاء . وصفراء . مزدانة باشرطة لماعة .