
في العام ١٨٤٠ دوّت في لبنان صرخة تدعو ارباب الوطنية والنخوة الى الثورة ... فالقائد المصري الظافر بالاستنانة يعتدي على تقاليد اللبنانيين واستقلالهم: يجردهم من سلاحهم، ويجند شبابهم للسخرة، ويفرض عليهم الضرائب ... وأمير لبنان، حليفه على الاتراك، يؤيد سياسته الرعناء.
لقد أخطأ ابراهيم باشا، وجاراه الامير بشير في خطأه، واستغلت الاستنانة الخطأ ... ومدت الدول الطامعة بـ «الرجل المريض» يدها، للحد من طغيان مصر، ولابعادها من «باب الشرق» فكان طبيعياً ان تلقى صرخة اللبنانيين الثائرين مؤيديها في الداخل والخارج.
وفي مقدمة من ارسلها صرخة مدوية بطلا لبنان في ذلك الحين: ابو سمرا غانم البكاسيني، ويوسف آغا الشنتيري.
◇◇◇◇
ولد يوسف الشنتيري في بكفيا العام ١٨٠٨، ومال الى الفروسية منذ نعومة أظفاره، وكان يكره التدليل و«التغنج» في احضان اهله وذويه ... فهو يريد ان يكون بطلاً ... ان يتقلد السيف، ويحمل البندقية، ويركب الفرس، ويذود عن الوطن والحق ... ولما اطمأن الى قدرته على ذلك، دخل في خدمة الامير بشير.
وكان اول عمل اتاه، وظهرت فيه بطولته، دخوله الى المختارة، على رأس فرقة من رجاله، واحتلالها عنوة - باسم الامير - بعد ان قتل بالسيف زعيم حماتها علي هلال، وذلك في العام ١٨٢٥، وهو ما يزال في السابعة عشرة من عمره.
ولمع منذ ذلك نجمه، واتسعت شهرته، وتحدث الناس عنه، وبات الانتماء اليه، والانضواء تحت لوائه، غاية كل فارس.
ولم يكن بطلنا من رجال العلم، ومع ذلك فقد كان يحب التاريخ، والاصغاء الى اخباره، وبخاصة الى اخبار الثورة الفرنسية - وقد كانت هذه الاخبار على كل شفة - فكان يرهف السمع اليها، ويقابل بين الاسباب التي أثارت الشعب الفرنسي، وما في وطنه من أمثالها، فيودّ لو ان في هذا الوطن شعباً مهيئاً للثورة، ليقوده الى ساح التحرر والمجد.
◇◇◇◇
وبدت طلائع التذمر من سياسة ابراهيم باشا، ومن تأييد الامير بشير هذه السياسة - كما مرّ - فرأى بطلنا ان الوقت قد حان للقيام بعمل حاسم ... وكان ابو سمرا غانم البكاسيني فارس فرسان ذلك الزمان، فاتصل به سراً وقال له:
- إن لبنان في خطر يا أبا
الفرسان ... ابمنعك مانع من نصرته؟
وكان أبو سمرا في خدمة الامير بشير، فقال:
- ولكني في خدمة الامير كما تعلم يا أبا قبلان.
فقال يوسف بحرارة:
- ان خدمة الامير فرض متى كانت لخدمة البلاد، وتصبح خيانة حين تتعارض والمصلحة الوطنية.
وكان أبو سمرا لا يقل عن ابي قبلان وطنية وغيرة، وقد أراد ان يبلو زميله، حتى اذا اطمأن الى صدق عزيمته، قال له حازماً:
- لو لم تأت اليّ يا أبا قبلان لمضيت أنا اليك ... هاك يدي ... ولنسر الى الحياة أو الموت.
◇◇◇◇
ونفخ البطلان في بوق الثورة.
وتدفق الجبل رجالاً للالتفاف تحت رايتهما.
وجعلا مقر الثورة العام في سهل بيروت.
ودرى ابراهيم باشا بذلك، فبعث يعاقب الامير بشيراً على ظهور تلك الحركة في بلاده، ويدعوه الى وضع حدّ لها بحكمته وحزمه، فبعث الامير يهدد الثائرين، فكان جوابهم:
- إننا لا نرهب التهديد، ولنا مطالب لا نحيد عنها، وقد اقمناك حاكماً لاشاعة العدل، فاذا كنت لنا فاعدل، وإلا ... لا عتب علينا ان نحن حكمنا السيف.
ولما سألهم عن مطالبهم، اجابوا:
- لا نؤدي غير رسم أميري واحد ... تقبل بطرس كرامه من ديوانك