
- بقيادة أبي سمرا - يتابعون الحرب بعناد، والاترك والانكليز والروس يمدونهم بالسلاح، مما اضطر الامير بشيراً في النهاية الى الاستسلام، وابرهيم باشا الى التراجع، والتسليم بشروط الثائرين وفي مقدمتها اعادة المنفيين الى وطنهم.
وبعد الامير بشير الثاني جلس على اريكة الامارة بشير الثالث الملقب بأبي طحين... ثم اعتقل ونفي الى الاستانة... وعين للبنان حاكم تركي هو عمر باشا النمساوي... وبلغ الشنتيري ان هذا الحاكم يريد تعيينه وأبا سمرا قائدين للجيش، فقال ساخراً غاضباً:
- ما كنت يوماً خادماً لاجنبي.
وبلغ عمر باشا قوله، فبعث يقول له سراً: «أنا لست تركي الاصل، وقد أتيت الى لبنان للقضاء على الفوضى، والواجب يقضي بان تكون في جانبي، حتى اذا انتهت مهمتي، تركت الحكم لمن تختارون من الوطنيين»
واقتنع يوسف بهذا... فصافح التركي، وعاد الى خدمة وطنه.
وزعزعت الثورة كرسي عمر، فارتأت السياسة الدولية قسمة البلاد قسمين: قائمقامية للنصارى، واخرى للدروز... وعين لقائمقامية النصارى - ومقرها بكفيا - الامير حيدر اللمعي، فرأى هذا أن يستعين ببطلنا - وقد كان من رفاقه في النضال والمنفى، على توطيد دعائم حكمه، فجعله على رأس ادارة الامن وتحصيل الاموال الاميرية.
وقام يوسف بمهمته خير قيام، فكان يبطش ويحلم، ويقهر كل فتنة... وكثر
حسّاده واعداؤه، يوغرون صدر الامير عليه:
- ان الشنتيري فخور بماضيه... يكاد لا يعترف بأفضلية للأمير عليه... ويتصرف في اعماله تصرف السيد المطلق.
وصدق الأمير الوشاة، فصرفه من خدمته... وأحزن ذلك بطلنا، فانصرف منذ ذلك الحين عن الخدمة العامة الى شؤونه الخاصة.
وكانت «سنة الستين» المشؤومة... سنة الحرب الاهلية المدبرة للقضاء على الحكم الوطني... فحاول يوسف في البدء ان يتجاهل أمرها، ولكن تطور الحوادث حمله على الخروج من عزلته، فراح يدعو «الاخوين المتحاربين» الى التعقل، الى حجب الدم الذي لم تكن اراقته في مصلحة القضية الوطنية.
واضطر اكثر من مرة الى القتال، لا لتوسيع مدى الثورة، بل للتخفيف من حدتها وشرها... ولكن «باع الشر» كان أطول من باعه، وكتب القدر لوطنه ما كتب، فعاد الى عزلته حزيناً يائساً... وأثر فيه الحزن واليأس، فأصيب بداء عضال افقده البصر، وشل أصابع يديه.
وافتقر... وتخلى عنه اصحابه... ولم يبق له من دنياه سوى ذكريات ماضية وعزة نفسه.
وكان عهد رستم باشا... ومن كبار اللبنانيين المتنفذين في ذلك العهد الشيخ عيد حاتم رئيس مجلس الادارة... فرأى الشيخ عيد أن بطلاً كالشنتيري لا يجوز ان يذل في شيخوخته، فسعى لمنحه معاشاً تقاعدياً ووفق في سعيه.
ورغب رستم باشا في رؤية بطلنا. ولما دخل عليه، بصحبة الشيخ عيد، لم يمالك من الهتاف:
- أأنت ابو قبلان؟
وخيل ليوسف ان الباشا يتحدى ضعفه ومرضه وشيخوخته، فتصاعد الدم الى رأسه، ومدّ يده الى سيفه متحدياً بدوره، وأجاب:
- أنا هو يا دولة الباشا، وتراني مستعداً لمنازلة من تشاء من الفرسان، برغم ما ترى من ضعفي ومرضي وشيخوختي.
فطيب الباشا خاطره، قائلاً:
- ما اردت إلا التعبير عن اعجابي بك يا ابا قبلان.
وغمره بحفاوته وعطفه...

