وان يتمرغ شخصياً بالجو الروسي العميق الذي اراد المؤلف التعبير عنه . ولذا فعندما يقوم الممثل « جاك موكلير » بوضع رواية ايفانوف بالفرنسية واخراجها والقيام بتمثيل الدور الاول فيها ويفوز باجماع الناقدين بنجاح مهمته يكون قد سجل صفحة مجيدة في تاريخ المسرح الروسي في باريس . وقد تعاونت فرقته بكاملها على التعبير عن هذه المسرحية الممتازة وتخص بالذكر الممثلة لوليّه بلون (Lolleh Bellon) التي قامت بدور الزوجة الهادئة المريضة المتألمة يساعدها على ذلك وجهها الجميل ونبرة صوتها الساحرة وهدوء حركاتها المتزنة . وقامت ايرين سرجين (Irène Sergine) بدور ساشنكا الشابة الجميلة فكانت ومضة برق في ليلة مظلمة انارت لمحة على الظلام الدامس في النفوس الحائمة حولها . وقام « هاري ماكس » بدور الكونت فكان المضحك المبكي معبراً بذلك عن جوهر الفن التشيكوفي في المسرح .
اما حكاية ايفانوف فهي حكاية رجل في الخامس والثلاثين من العمر ملاك متجدد له افكار عصرية تقدمية اراد فيما مضى مساعدة الفلاحين وانهاضهم فاجرى لذلك تجارب عدة كان نصيبها الفشل فاصبح في الوقت الحاضر يائساً تعباً ينظر الى الحياة بنظارات سود ، ويرى ان حياته هو قد ذهبت سدى لا معنى لها . وهو فوق ذلك في صحراء عاطفية مجدبة فقد تزوج من امرأة احبها واحبته ضد رغبة اهلها وها هو بعد بضع سنوات من زواجه خالٍ من هذا الحب مليء بفراغ بارد ، ضجر من بيته ، يعتريه عند الغسق ضيق نفسي وسويداء لا يمكنه
تفسيرها . وتحاول « آنا بتروفنا » الترفيه عن نفس زوجها المحبوب وتفتش عن ذلك الوتر السحري الذي ربطهما فيما مضى بلهبة الحب المنيرة ولكنها عبثاً تحاول فقد خمدت تلك الجذوة ولن تتمكن من إيقاظها وهي الانثى الكاملة بجمالها وعذوبتها وارهاف حسها وفهمها لنفسية زوجها المرضية . ويهرب ايفانوف من جو بيته ملتجئاً في السهرات الى بيت صديقه ليديف ولكنه لا يلبث ان يشعر بالضجر يتسلط عليه بكابوسه الاسود المضنك وتشعر ساشنكا الشابة ابنة ليديف بعطف نحو هذا الرجل اليائس وتحاول تخليصه من ازمته النفسية ، ويخيل لايفانوف انه استيقظ للحياة من جديد ، وان حب ساشنكا المرحة المتفائلة سينتشله من هوة اليأس السحيقة .
وتموت زوجة ايفانوف بائسة بائسة ويقرر ايفانوف الزواج من ساشنكا وذلك بالحاح ساشنكا نفسها ، ولكنه يشعر في اعماق نفسه انه ضائع لا محالة وان حياته قد انتهت وخطيبته في مطلع فجرها الاول . ويحاول التخلص من العهد الذي
قطعه لها فترفض هي الانسحاب منه . ويشعر ايفانوف انه يقودها الى الهاوية معه فيطلق على نفسه رصاصة تكون القول الفصل في جداله العنيف معها ..
ولعلنا نتساءل : وما يريد المؤلف من كل هذا ؛ وما هي حوادث الرواية المهمة ؟ اما السؤال الاول فقد اجاب عنه تشيكوف نفسه بقوله مرة : « ان مهمة الاديب هي الشهادة والتسجيل لا الحكم » . فهو يصور حياة اليأس المستولية على الشعب الروسي في زمنه تصويراً دقيقاً صادقاً . وعاطفته نحو هؤلاء البؤساء هي عاطفة الشفقة الانسانية لا الحكم الجائر . وكأنما يريد ان يقول لقومه : « هاكم نموذج حياتكم الفاشلة فتنبهوا وتطلعوا الى الحياة المثلى اذ بامكانكم ان تستفيقوا من كابوسكم المرضي » .
اما السؤال الثاني فالجواب عليه هو ان مسرحيات تشيكوف تتميز بعدم اهمية الحوادث اذ لا يحدث شيء هام فيها . فهي صور للحياة بطيئة صامتة ولكن البركان النفسي الذي يغلي تحت هذه القشرة السطحية هو الذي يهمنا وفيه جوهر فنه المسرحي ...

