عزيزتي أميمة
قرأت لك في عدد صوت المرأة الأسبق «الميلاد في بيت لحم» فأعجبت بحسن اختيارك وجمال ترجمتك .. ولكن شيئاً ما في بعض السطور آلمني .. وليس الذنب ذنبك في أن هذه السطور كتبت هكذا وإن كنت أتمنى لو أنك أغفلت ترجمتها وهي أبعد ما تكون عن الحقيقة والواقع.
ويقول الكاتب «ما زالت فلسطين إلى اليوم واحة الرحّل .. في أعلى الهضبات تطل أخبية البدو السوداء صامدة في وجه الرياح» والكاتب كما يبدو واحد من اثنين .. إما أنه لم يزر فلسطين بالمرة .. وإما أنه داعية من دعاة الصهيونية والاستعمار وإن كنت أرجح الأول وأرجوه.
إن فلسطين ليست بواحة الرحّل .. وفي كل سهولها وجبالها لا توجد خيام أو أخبية سوداء للبدو اللهم إلا حوالي بئر السبع في منطقة غزة ومثل هؤلاء يوجدون في سورية مثلاً فهل يقال عنها إنها واحة الرحّل ومكان لأخبية البدو السوداء؟
ثم قول الكاتب «وفي جو يختلط فيه مُعاء الغنم والماعز والنياق ينام الأطفال مفترشين أديم الأرض» لله هذا الكاتب .. لكأني به يصور بلاداً في مجاهل أفريقيا ... ولكن لم يكتب غيره عن مصر أسوأ من هذا بكثير؟ .. لقد جاء أحد الأساتذة من أمريكا قبل عشرة أعوام فقط ليدرس في مدارس مصر فأحضر معه ثلاثة صناديق من الصابون لأن مصر في دماغه كانت بلاداً بدائية لا تعرف الصابون .. أما التلامذة فقد كان يظنهم - كما صرح بعد أن ذهل بما رأى - كان يظنهم حفاة الأقدام يجلسون بجلابيبهم على حصير
على الأرض وكتبهم على ركبهم والمعلم واقف يشرح الدرس على اللوح أمامهم .. فتأملي.
ثم الرعاة وخيامهم .. والخيام لازمة يرددها كل من كتب عن رعاة بيت لحم .. مع أن هؤلاء الرعاة كانوا ينامون فعلاً في مغارة أو تجويفة لا تزال حتى اليوم مزاراً مقدساً يؤمه الملايين من الناس ...
ويحدثك سكان بيت ساحور القرية الواقعة بجانب بيت لحم والتي جاء الرعاة منها ليلة الميلاد .. يحدثك سكان القرية نقلاً عن آبائهم وأجدادهم .. أن هذه المغارة هي مغارة الرعاة لم تتغير ولم تتبدل ..
إن رعاة فلسطين كرعاة لبنان وغيرهم لا يحملون معهم خيمة لأنهم يعودون كل مساء إلى بيوتهم .. فإذا ما ابتعدوا مرة عن القرية واضطروا إلى المبيت في المراعي فليس أكثر من المغاور يقضون فيها ليلتهم.
ولم يكن هنالك جمال ولا نياق إلا جمال المجوس التي جاءت وعادت من حيث جاءت .. ولكن صاحبنا يرى الجمال مكملة للخيام .. فهو يذكر لنا «النياق التي يختلط مُعاؤها بمُعاء الماعز والغنم وينام الأطفال على معانها مفترشين أديم الأرض» والناصرة الجاثمة على هضبة والتي لم تتغير على حد رأي الكاتب من عهد العذراء حتى الآن ... الطرق الضيقة الوعرة فيها والحوانيت العتمة والبيوت المطينة .. إلى آخر الوصف إياه ...
إن الناصرة تنتشر اليوم على عدد من الهضاب المتصلة ببعضها ... والبيوت الأنيقة كأنها القصور .. والمعاهد العلمية .. والأديرة تغطي هذه الهضاب ومن حولها البساتين والحدائق الجميلة.
وحتى الناصرة في عهد السيد المسيح لم تكن قرية .. ويذكر يوسيفوس المؤرخ الشهير أنه كان في الجليل في أيام يوسيفوس ٢٠٤ من المدن والقرى .. سكان أصغرها ١٥٠٠٠ نسمة .. ويقول عن يافا بجوار الناصرة إنها أكبر قرية في الجليل .. وإن الرومان قتلوا من أهلها ١٥٠٠٠ وسبوا ٢١٣٠ نسمة .. وهذه قرية بجانب الناصرة .. إذاً فالناصرة لم تكن قرية .. هذا عدا