تتابعت الأيام الربيعية الجميلة وتتابعت حياتنا أنا وجبران حسب النظام الذي وضعناه لها: نشتغل صباحاً في محله، وبعد الظهر وفي المساء نتردد أكثر الأحيان إلى المعاهد الحرة. ولما كان دخول المتاحف مجاناً يوم الأحد، فقد كرسنا هذا اليوم لزيارة متحف اللوفر وسواه من المتاحف والمعارض الفنية.
وفي هذه الآونة توطدت عرى الألفة والصداقة بيننا وبين الأوانس أولغا، سوسان وليا، ثم روزينه ومرغريت ... هذا عدا أصدقائنا ومعارفنا من الرجال أيضاً !!
لا بد للمتحدث عن الحياة الاجتماعية في الحي اللاتيني إبان ذلك العهد، أي بضع سنوات قبل الحرب العالمية الأولى من أن يأتي على ذكر مقهى «الدوم» القائم في زاوية بين شارعي راسباي ومونبارنس، والذي كان يتمتع بشعبية جعلت أهل ذلك الحي يؤثرونه على غيره من المقاهي، وذلك بفضل الطابع الفريد الذي تميز به. فقد كان
ملتقى الأدباء والفنانين والمفكرين من كل لون، يجتمع حول موائده المستطيلة خليط غريب من الأجناس البشرية، يناقشون ويجادلون دون هوادة في شتى المبادئ والفلسفات، وفي مختلف أنواع الآداب والفنون وفي الجديد الجديد من أحداث الكون... ولكي يكتمل العرض كان يتخطر أمام الحاضرين، في الحين والحين، ثمة مغربي بالطربوش الأحمر ذي الشرابة الكبيرة، يتدلى على كتفيه معروضات للبيع: قطع سجاد، أغطية طاولات، زنانير، كراڤاتات
وما شاكل، وفي جيوبه أشياء محرّمة كان يشير إليها بغمزة مبطنة ... فيبيع من بضاعته أو لا يبيع، ويمر بنا فكأنه من عالم غريب يعيش على هامش التمدن ...
للجلوس في مقهى «الدوم» فن قائم بذاته، لم يعط لكل إنسان أن يهتدي إليه ويتقنه، فيتمتع بمحاسنه ويحتمل مساوئه - وسبحان من خلق الدنيا أذواقاً! - فجبران مثلاً كان يأنف من الجلوس فيه، وكم كان يقول لي: «هذا تضييع وقت يا يوسف!» كان يفضل نسق المجتمع الأميركي والتحدث بهدوء «رأس إلى رأس» ويروق له السير على ضفاف السين أو في شوارع باريس القديمة شأنه في ذلك شأن «صديقه» بلزاك ..
وكذلك لم يكن جبران يكثر من السهر، لا في علب الليل ولا في سواها. كان ضعيف البنية يؤثر الذهاب الباكر إلى
الفراش، والانصراف إلى التفكير ... والكتابة.
ومثله كانت الآنسة أولغا. حاولتُ مرة واحدة اقناعها بالمجيء معي إلى مقهى «الدوم» على سبيل التجربة فتضايقت وضاقت أنفاسها من الجو الصاخب المثقل بالدخان ولم تُعد التجربة ... هذه أيضاً لم تكن شغوفة بالجلوس بين الجماهير ...
أما نحن - زمرتنا المؤلفة مني أنا وسوسان وليا وكالمي والدكتور كسبار والمثال كريستسكو وغيرهم، فقد كنا أتقنا فن الجلوس في «الدوم» وبرعنا فيه، إذا جاء أحدنا باكراً حجز الطاولة ودفع رعبوناً، لكي يكون الباقون، متى جاؤوا واحداً بعد الآخر، على ثقة بأنهم واجدون محلات .. وقد كنت، بعد التمرن ساعتين على الرسم في معهد «كولاروسي»، أتطلع بشوق إلى هذه السهرات الممتعة ..
كانت تدير معهد «كولاروسي» سيدة إيطالية اسمها كاترينا. عملت في صباها «موديل» وعندما أحيلت على التقاعد بعد أن أنجبت عدة «موديلات» عُهد إليها بإدارة المعهد.
أذكر كم كانت السيدة كاترينا واسعة الاطلاع في كل ما له صلة بمهنتها، ثم أنه لم يكن يفوتها ثمة سر ما يدور حولها، فقد علمتها الأيام «الفراسة» تستطلع، من مجرد النظر إلى أعين وملامح الدارسين والدارسات، كل ما يجول في خواطرهم من نوايا وأفكار ... وهكذا كثيراً ما كانت تستبق الحوادث !!
أول مرة سمعتها تتكلم الفرنسية بلكنة خاصة لم أشك لحظة في أنها إيطالية وكلمتها بلغتها ... وهكذا ارتفعت الكلفة