وتسهلت امامي جميع السبل ...
كان في المعهد اربع قاعات للرسم . في احدها يجلس « الموديل » ثلاثة ارباع الساعة ويرتاح ربع ساعة ، وفي الثانية يغير الجلسة كل ربع ساعة ... كنت ادفع الرسم او لا ادفعه ، واشتغل متى شئت واني شئت فلا من يعترضني ... ولما اطمأنت السيدة كاترينا الي منحتني سلطة اختيار جلسة الموديل والملاحظة والسهر على سير النظام داخل القاعة وذلك بلطف كيلا ازعج الزملاء ، فكنت حيناً اتطرف في استعمال صلاحياتي ، بتسهيل العمل للآنسات دون الشبان ، فاؤثرهن بالمحلات المفضلة والموافقة من حيث المسافة وتسلط النور ، واتحدى نظرات الشبان وغضبهم - ألم نتفق انا وجبران على انهم ثقبوا الدم !
كانت اوقات الدوام في المعهد على ثلاث فترات تتراوح بين التاسعة صباحاً والتاسعة مساء ، ولقد كان جبران يفضل
الفترة الاخيرة رغم انه لم يكن ليكثر من الترداد الى معهد كولاروسي .
كان من عادتي ، كما ذكرت ، بعد الانتهاء من التمرن على الرسم ان اعرّج على مقهى الدوم حيث اجد الصحاب في انتظاري ، فاوزّع عليهم ما قد يعجبهم من رسوم بين يدي ... ثم لا البث ان اغرق واياهم في تيار من الاراء العلمية والفنية والسياسية والتجارية - من كل بحر نقطة : « كيف يمكن استخراج السكر من الفحم ... كيف تمكن كوكلين وفان غوغ من تغيير مجرى الفن ... كيف حلق الطيار بلاريو فوق المانش ! ... وكيف ان انكلترا لم تعد جزيرة ! ... وكيف ان الشعب الالماني نشيط لكن الامبراطور غليوم مخيف ... وكيف ان الفرنسيين يرون انكساراتهم كما لو كانت انتصارات !!! » - كنت عندما اتعب من كل ذلك اميل برأسي نحو الانسة ليا وألمس بيدي على شعرها
الجميل وأسألها : « لمن هذا الشعر ؟ » فتجيب : « الى ليا » - فاصلح لها الجواب : - « بل قولي فقط « ليّا » فتتكلمي العربية !! ثم تبدأ بيني وبينها مبادلة النوادر والقصص الظريفة... كان يلذ لها ان تروي قصصاً مضحكة عن اليهود ، فاهمس باذنها احياناً : « واذا كان ابراهيم غير صادق في وعوده ؟ » فتجيب ضاحكة : « اذا كان ابراهيم غير صادق « يتخربط » كل شيء »... وتردف بعد امعان قصير : « والاصح انه لم يكن صادقاً ... ما قولك ؟ ! .. »
وكانت تستدرجني ببحث بريء وتستزيدني من قصص الكهان : « دخيلك يا صديقي ... بعد قصة صغيرة !! » وعندما تضيق ذرعاً بتلكؤي وتمهلي تعمد الى تسهيل مهمتي قائلة : « كان يوجد كاهن محترم ... » وكنت قد تعلمت صنعة شهرزاد حتى الاتقان ومرنت على الارتجال فأكمل القصة على اهون سبيل

