بطرابلس نتفاً من هنا وهناك تلقى ضوءاً على ماضيه الذي لم يبق له منه أي أثر ... هو من مواليد ١٩٤١ والده شوقي أبي زيد كان ضابطاً في الجيش الأردني وأحيل على التقاعد ... وترك الأردن وجاء إلى طرابلس مع زوجته وأولاده.
هذه خلاصة المعلومات التي أعطاها أحمد ويتبين منها أن عمره يزيد على الثلاث عشرة سنة - العمر الذي صرح هو به مؤخراً في دار الإذاعة اللبنانية.
البحث عن أهله : أجريت في طرابلس تحريات وبذلت مساع للبحث عن ذويه من قبل الآنسة عرمان ، ومن قبل المستشفى الإسلامي ومن قبل الشرطة أيضاً لكن كلها ذهبت سدى ، فلم يتقدم أحد من أهل المنطقة التي جرفها الفيضان أو المنطقة المجاورة ليقول كلمة واحدة تؤكد أن أسرة أحمد كانت ذات يوم تسكن ذلك الحي ! ، وعبثاً حملق الناس هناك بوجه أحمد فلم يتعرف عليه أحد ...
أحمد في دير الصليب : قلنا أن حملة سيدات الصليب الأحمر اللبناني عدن من طرابلس يروين قصه أحمد وما تركه منظره المفتت الأكباد في قلوبهن. وتسرّب الحساس إلى أعضاء المكتب فتوجهت سيارة الصليب الأحمر خاصة لحمل الصبي إلى بيروت ثم إلى مستشفى دير الصليب حيث وضع في عهدة الطبيب المختص الدكتور أدوار عازوري : كان ذلك في ٢٥ كانون الثاني سنة ١٩٥٦ أي بعد الكارثة بخمسة أسابيع ..
مع العلاج النفسي يسترجع سمعه ونطقه ، إنما يفقد ذاكرته :
ويعكف الدكتور عازوري على أحمد مستعملاً معه أحدث العلاج النفسي
وتمر الأيام والأسابيع ويفيق أحمد ذات يوم والطبيب إلى جانب سريره وإذا به يسمع ويتكلم ... ثم يسأل ابن هو ومن جاء به إلى المستشفى ومن ابن جاء ... ومن يكون ؟! . وعبثاً يحاول الدكتور عازوري تذكيره بماضي حياته وبحادث الفيضان ... فإن الأحداث التي عاشها قبل استرجاع سمعه ونطقه قد ألحمت كلها من رأسه وحلّ محلها الفراغ والذهول وشدة الدهشة ... من أكون أنا ؟؟ من أبواي ؟ أهكذا من العدم أتيت ؟! أريد أهلي !!..
وتبقى هذه الأسئلة بلا أجوبة ، وتمر الأيام وأحمد في دير الصليب يحبطه الطبيب والراهبات والمرضى جميعاً بعطفهم ومحبتهم حتى يألف هذه الحياة ويعكف على الدرس بمعاونة الأخت جانيت ، في جو المستشفى الدافئ الرحوم ، يرمقه الجميع بالحبة ...
أحمد يزور طرابلس : وفي هذه الآونة بذل الدكتور عازوري أقصى جهوده لمساعدة أحمد في نطاق علاجه النفسي ، فحمله مرتين وثلاثاً إلى طرابلس في طقس شتوي عاصف مماثل للطقس الذي حل فيه الفيضان لعل ذاكرته المغلقة تنفتح وتنتهي المشكلة - وقد رافقته في هذه الرحلات الآنسة رينيه عرمان التي كانت قد أصبحت صديقة أحمد المفضلة وأكثر من أولها ثقته ، وذلك بفضل العناية الفائقة التي أغدقتها عليه والتي ، والحق يقال ، لم يقصر أحد في منحها أباه ..
يا أبي يا أمي ! أنكر أحمد أول وصوله إلى طرابلس أن يكون قد سبق له رؤية تلك المدينة وكانت كلما تقدمت السيارة من الجسر حيث حصل الطوفان،
تاركاً وراءه الخرائب الكثيرة المروعة. ازداد ذهولاً وبدأ رويداً رويداً يصدق ما سمع منهم كأنما استسلم لهم في أمر أغلق عليه - لا بد للقصة أن تكون صحيحة. هؤلاء قوم صادقون . مجبوني وحيال هذه الرؤيا المؤثرة صار فجأة ينادي أباه وأمه وأخوته بأعلى صوته ويبكي ويجهش بالبكاء ويلطم رأسه فرط تأثر ، حتى أغمي عليه ولم يعده إلى وعيه إلا إبرة !
ذهوله في المستشفى الإسلامي :
واقتادوه بلطف إلى المستشفى الإسلامي حيث مكث خمسة أسابيع فأنكر معرفة أحد منهم ، عدا الذين زاروه في بيروت وعرفهم بعد إجراء العلاج النفسي . اطلعوه على كتابته وخط يده فأعترف أن الخط خطه ، إنما استغرب كثيراً أن يكون هو قد صرح بالفعل وكتب أموراً يجهلها حق الجهل ... إذ كيف يكتب اسمه واسم أبيه وتاريخ ولادته وقصة الفيضان - وهذه أشياء طالما حيرته وتساءل هو عنها وعجز الجميع في الإجابة عليها !!..
عود إلى بدء : وتبين أيضاً لدى التحقيق وتأكيداً لما كتبه أحمد بخط يده ، أنه أنقذ بالفعل غداة الفيضان معلقاً على آخر رمق ، في شجرة ليمون ، واحتمل رأساً إلى بيت النجادة في بيروت ، وهناك قام المسؤولون بإعادته في اليوم نفسه إلى كلية التربية والتعليم في طرابلس ومنها إلى المستشفى الإسلامي حيث قرر الأطباء أنه مصاب بصدمة نفسية عنيفة أفقدته حاستي السمع والنطق ، وكان لا بد من علاجه في مستشفى خاص بالأمراض العصبية - الأمر الذي سعي
