تلقت هيفاء كتاباً من الامينة العامة لرابطة النساء السوريات ، تدعوها فيه الى دمشق لحضور اجتماع عظيم الاهمية ، وتلح عليها بوصفها ممثلة لمقاطعتها ، ان تعد خطاباً عن حق النساء في الانتخاب .
وقد عكفت هيفاء على كتابة خطابها ، وامضت ساعات الليل في تنميق عباراته ، وعندما فرغت منه حوالي الساعة الثانية صباحاً شعرت باعياء شديد وفي اليوم التالي انهمكت طوال ساعات الصباح في اعداد حقائبها وبعد ان اطمأنت الى كل شيء ، جلست على كرسي مريح في شرفة منزلها الكبير لتنال قسطاً من الراحة .
كان ذلك في اوائل فصل الربيع ، وقد اكتست التلال المحيطة بالقرية حلة قشيبة تشابكت فيها الالوان الخلابة وكانت شمس سوريا المجيدة تتكبد السماء وتسطع تحت زرقتها الصافية والريح الغربية العليلة تهب دافئة تنعش النفوس . وفي هذه الجلسة المريحة اخذت هيفاء وهي تكاد تكون مغمضة الجفنين تسرح بصرها في المناظر الجميلة المحيطة بها ، وفي تلك التلال التي احبتها حباً ملك عليها كل حواسها ، والارض التي كانت تعني كل شيء بالنسبة لها . كان حديثها عن هذه الارض حديث حب وعبادة . وفجأة سمعت وقع حوافر جواد يمر على الطريق تحت الشرفة مباشرة وقد رفعت رأسها متمهلة ونظرت الى الطريق فرأت عدنان مقبلاً نحو منزلها .
كان عدنان فتى من فتيان القرية نشأت معه وشاركته سني الدراسة في المدرسة اولاً ثم في الجامعة وقد ترجل في باحة الدار وسار نحوها مبتسماً يتخطر بقامته المديدة وقوامه المشوق كالسروة ووجهه الصبوح الاسمر .
قالت هيفاء مشيرة الى كرسي من الخيزران قرب كرسيها ، وهي تبتسم ابتسامة عذبة « تفضل اجلس يا عدنان بك » .
فشكرها عدنان وجلس وهو ينظر الى عينيها الهادئتين العسليتين نظرة ملؤها الاعجاب فقد كانت هيفاء فتاة مليحة المحيا ، ذات وجه جميل يزيده فتنة شعرها الاسود الذي كانت تسدله حتى كتفيها .
قال عدنان : « جئت لاطلب منك ان تخرجي معي في نزهة على جوادينا في هذا الصباح الرائع . باستطاعتنا ان نمضي الى التلال ونتجول بين اشجار الشوح والسنديان » .
فابتسمت له عابثة . ثم قالت ضاحكة ، انك دائماً لا تحسن اختيار الاوقات .
وقد اجفل عدنان ، وعلت وجهه حمرة المباغتة غير ان هيفاء صفقت بيديها ونادت خادمتها التي اسرعت لتلبية النداء . وقد امرتها باحضار السجائر والقهوة . ثم التفتت الى عدنان واخذت تحدجه بنظرات فيها شيء من التحدي وقالت : لِمَ لم تعرض هذه الفكرة يوم امس الاول .
الفى عدنان نفسه في موقف المدافع ، وانعقد لسانه عن الكلام بعد ان كان
يظن انه بتوجيه هذه الدعوى سيسدي اليها جميلاً ويضعها هي في موقف المدافعة على انه ما لبث ان قال متلعثماً « يؤسفني ان اقول انني انهمكت امس بالعمل في المزرعة محاولاً تجديد البيت القديم الذي تركه لي اجدادي اما في يوم امس الاول فقد ذهبت الى قصبة القضاء » .
فقالت هيفاء في نفسها « ان من يستطيع ان يجدد مزرعة صغيرة يستطيع ذات يوم اذا واتته الفرصة ان يجدد امة بكاملها . ثم قالت تخاطب عدنان : « كنت اود من صميم قلبي ان اخرج في هذه النزهة ولكنني اشعر الان بتعب شديد ، وسأذهب صباح غد الى دمشق لاحضر مؤتمراً لرابطتنا وقد اعددت البارحة خطاباً وانت تعلم ما يقتضيني من وقت حزم امتعتي كلما ذهبت الى العاصمة . وكم انا مشتاقة لمشاهدة معالي وزير الداخلية صديق المرحوم والدي ؟
فقال عدنان « وانا ايضاً سأذهب الى دمشق في المستقبل القريب » .
فأتته بلهجة ساخرة « لا لقاء خطاب ؟ »
فقال عدنان غير مكترث بسخريتها « كلا ، بل لاصطاد الحمام في الغوطة » .
انك لم تذهب قط في حياتك الى الغوطة لاصطياد الحمام . فلا بد ان هنالك اسباباً اخرى لسفرك .
« اذا لا اكون على مقربة منك اذا مكثت مدة طويلة في دمشق فقد قيل عن حق ان اجمل ما في هذه الارض ربيع دمشق وخريف بيروت . »

