
منصور بك ولكني كما تعلمون يا صاحب المعالي قروية في الاصل ومن سكان التلال ولم يسبق لي قبل اليوم ان تعرفت على منصور بك . ويخيل الي انه اذا كان لي ان افكر جدياً في طلبه فيجب اولا ان يعرف كل منا الآخر معرفة اوفى حيناً من الزمن قبل ان اعطي جواباً نهائياً . الا تقرني معاليكم على هذا الرأي ؟ .
فقال الوزير موافقاً « بكل تأكيد بكل تأكيد لان الحياة العصرية تتطلب ذلك » ، ثم قطب جبينه وتجهم وجهه وكأنه على حين غرة تذكر امرا ذا بال فقال لهيفاء « تذكرت الان ان المرحوم والدك تغمده الله بواسع رحمته عندما كنا نحارب والفرنسيين معاً فتنام على الصخور تارة ونفترش الارض تارة اخرى ونقضي معظم اوقاتنا على ظهور الجياد ، كان لا يفتأ يحدثني عن صبي صغير من صبيان قريتك احب ان يتخذه زوجاً لك فماذا كان من امر هذا الصبي وما اسمه
فتنهدت هيفاء وتذكرت فجأة الحديث الذي دار بينها وبين عدنان قبل مجيئها الى دمشق فسألته «هل تعني معاليكم عدنان ؟»
- اجل هو بعينه .
- بعد ان تخرج من الجامعة اندلعت نار الحرب في فلسطين فجند حوالي مائتين من الرجال وذهبوا الى فلسطين للقتال وكانوا قليلي العدة والسلاح غير انهم قاتلوا قتال الابطال حتى نفدت ذخيرتهم وبدأ رجاله ينفضون من حوله الواحد تلو الآخر ولم يبق معه في النهاية سوى حرسه الخاص فعاد الى القرية كسير الفؤاد مكتئباً ومنذ ذلك الحين انصرف
الى العمل في ارضه ويبدو ان الحال التي عادوا بها من فلسطين اثرت عليه تأثيراً عظيما واوجدت في نفسه وفي طريقة تفكيره نوعاً من النفور والاشمئزاز .
فسألها الوزير «الم تحاول احدى الحكومات السابقة ان تستفيد من ثقافته وحماسته وروحه الوطنية المتأججة ؟
- لم يتصل به احد ولم يحاول هو ان يتصل بهم .
فقال الوزير مفكراً مبديا الاسف ، فهمت فنحن حتى الان لا نعرف كيف نستغل ثورة الرجولة في بلادنا ، هل لي ان اوجه اليك سؤالاً شخصياً ؟
- لمعاليكم مطلق الحرية .
- ما رأيك فيه ؟
فأجابت هيفاء التي تخضب وجهها بحمرة الخجل قائلة . لقد ادركت ما ترمي اليه يا صاحب المعالي .
واوضح لكم اني تعاهدت معه على امر قبل مجيئي الى دمشق ولا اكتم ان من خيالاتي التي تسلطت علي اني وضعت نصب عيني ان يكون زوجي موظفاً كبيراً في الدولة ، لا رغبة في السلطة التي ترافق الوظيفة بل لمساعدته على بناء صرح وطننا . وقد قلت لعدنان بلهجة اقرب الى المزاح منها الى الجد اني سأقترن به اذا صار موظفاً وامهلته نصف عام لتحقيق ذلك .
فقال الوزير مبتهجاً : مرحى ولكني لا اعتقد ان عدنان كان يزل عندما تحدث اليك في الامر . وارجو الا يغيب عنك انه قبل ذلك الحديث اجتمع مطولاً الى القائمقام في قصبة قضائكم .
جحظت عينا هيفاء لدى سماعها كلام الوزير حتى كادتا تقفزان من محجريها
وقد اجفلت ففغرت فاها ومدت عنقها واخذت تحدق في الوزير وقد عقدت المفاجأة لسانها عن الكلام وقالت وهي تلهث : كيف عرفت ذلك معاليكم ؟
فقال لها الوزير : تلقيت اليوم تقريراً من القائمقام عن هذا الموضوع .
فسألت هيفاء مترددة : وهل لي ان اعرف سبب زيارة عدنان للقائمقام ؟
فاجابها الوزير مبتسما : آه هذا سر من اسرار الدولة وستعرفينه في الوقت المناسب ولكن ماذا اقول لمنصور بك .
فقالت هيفاء : اذا شئت الصراحة فاني افضل الانتظار اذا صح ان عدنان سيصبح موظفاً .
فسألها الوزير : واذا لم يصبح ذلك ؟
وجدت هيفاء نفسها في موقف حرج فان طموحها واحلامها امست على وشك ان تتحقق وتهيأت لها فرصة تحقيق رغبتها في الاقتران بموظف في الدولة وما عليها الان الا ان تومىء برأسها موافقة ولكنها وجدت نفسها نهبا لمشاعر مختلفة في تلك الآونة هل ترفض رجلاً ذكياً وموظفاً كبيراً كمنصور بك ؟ ام تنتظر عدنان وتركن الى الحظ وهو قد يواتيه او لا يواتيه ؟ ان مستقبلها وحياتها وسعادتها في كفة القدر . واطالت التفكير فادركت انها لم تكن تضمر لمنصور بك اي حب وان كانت قد اعجبت به .
وعندما تأملت في ماضيها مع عدنان في القرية وحبها الشديد للارض التي كانت بحكم جميع القواعد الطبيعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بعدنان نفسه ، وجدت ان حياتها بدونه وبدون الارض التي تعشقها