يوافق شعورنا وامزجتنا. انا بدأت اؤمن ان « النوع » ( اللوحة او التمثال او اي اثر فني آخر ) الذي تفهمه العين بسهولة وتألف خطوطه وألوانه ومعانيه، غالباً ما يكون مبتذلاً بارداً يجلب النعاس الى الجفون، حتى ان الناظر اليه يكاد يتثاءب .. بخلاف « النوع » الذي يعصى على العين فهمه بسهولة، فانه يهيج المخيلة ... وفي التهيّج والفهم بعد التعب نشوة عظمى!! الا ترى معي يا يوسف كيف ان هذا النوع محاولة للتعمق في التفكير؟ هو الابداع .. وفي الابداع لذة تفوق كل اللذات !!
هنا استلمت انا الكلام وقد شعرت ان جبران قال ما يريد ان يقوله، وبقي ان ابدي انا وجهة نظري في الامر فقلت:
- « اجل .. هذا كلام جميل، تتناقله المجلات والصحف الفنية وتعيده من ورائها الالسن في هذه الايام ... غير انني على يقين بان للجمال سمة ازلية، وان الفنان الذي لا يهمه الجمال ولا الكمال ولا يحلو له غير الممسوخ و« الملوّث » من الاشكال وينحرف عن الخطوط الطبيعية المطلقة الروعة والحسن - ان هذا الفنان - اسمح لي يا جبران ان اقول لك بصراحة، ليس جديراً باعجابي، ولن يكون لنتاجه في المستقبل، متسع في هذه القاعات .. ثم أليست الآثار الفنية انطباعات الفنان الخاصة للبيئة التي يعيش فيها؟! ها انا اتلفت حولي، في كل وسط باريسي ناطق بالجمال الاصيل، فلا ارى اي اثر لهذه « البشاعات » السافرة التي يتسابق الفنانون « المودرن » دون حياء، الى تسجيلها في المادة؟! فهل انا اعمى ام ماذا؟
- « ربما هذه الانطباعات مرتسمة في عقولهم، يا يوسف! » قاطعني جبران، ثم اردف وقد رفع اصبعه في وجهي:
- هذا موضوع طريف يستحق درساً عميقاً ... سأفكر فيه الليلة ...
وعُدت انا اكمل حديثي الى جبران بالحماس نفسه: حدّق، رجوتك، من هذه النافذة على ذياك المنسرح فوق حديقة « التويلري » ويجري نهر السين ... وكيف ينسلخ النور الناعس المغبّر كوشاح شفاف على وجه باريس ... انا طالما لاحظت ان لكل مدينة كبيرة في العالم جوها الخاص ولونها السحري ومسحتها الجمالية ... تماماً كوجوه العذارى ... لكل وجه لونه من الفتنة او الطهر وما اشبه ذلك ...
كنت اتكلم وجبران مصغٍ بكل حواسه وعيناه الحالمتان تحدقان الى البعيد، ولما انتهيت من هذا التشبيه قال:
- على ذكر المدن الكبيرة ... آه كم اشتهي ان اشاهد وجه اثينا واجلس على خرائب الاكروبول!! اشعر دائماً ان شيئاً سينقصني، اذا لم اصلْ، يوماً في هيكل « مينرفا » .. واذا لم تطأ قدماي ارض رومية وفلورنسه والبندقية ... اجل! .. ستبقى حسرة في قلبي! .. هنيئاً لك انت يا يوسف، لقد زرت هذه المدن وعشت فيها. كيف العمل الى زيارتها؟ هل تعتقد اننا اذا اقتصدنا في المصروف نوفر ما يكفي لرحلة من هذا النوع؟ انت تفهم اللغة ولذا نحن سلفاً نوفر اجرة الدليل! .. وضحكنا معاً ..
ثم قلت: ان السفر الى هذه المدن يكلفنا مالاً كثيراً .. أليس الحق مع سوسان .. المالولو من الصين؟! .. هز جبران رأسه وكرر عبارته المأثورة، التي كان دائماً ينهي كلامه بها عندما تضيق الحال: « لعن الله المال كيف يقف عثرة بين المرء وامانيه! »
خرجنا من متحف اللوفر وسرنا على ضفاف نهر السين نتفرّج على الكتب القديمة والرسوم الفنية ونستكمل احاديثنا.
وكان المساء الكئيب يرمي على باريس الوانه الدافئة الساحرة ... وبدا جبران كجزء من المساء، قلقاً كئيباً، ثم التفت اليّ وقال:
- ان بنجامين فرنكلين عزم في سن الخامسة والعشرين على التوصل الى اوج المعرفة والحكمة، وتم له ما اراد ... وها نحن في السابعة والعشرين وعندنا مطامح كبيرة فماذا حققنا منها؟ ... قل لي بربك يا يوسف، هل تلاحظ فيّ شيئاً من النقص يمكنني اصلاحه؟ ...
فكنت أوجه اليه بالبراءة نفسها:
« وانا اسألك السؤال ذاته! .. »
هكذا تماماً كانت حالتنا النفسية في ذلك الحين، اذكر ذلك جيداً كأنه حدث بالأمس!!
