اهتمام الرئيس سعد الى ابعد من ذلك فاتصل بالمدارس الداخلية الاخرى في الشويفات وكلها تتبع في تدريسها النظام الانكلو اميركي - ومن هنا جاز ادعاء احمد وقرب من التصديق ، لانه كان يعرف الانكليزية لا الفرنسية وانه كان ابن مدرسة فاية مدرسة هي اذن ؟ ما دامت السجلات لا تجد اي اثر لاسمه او لاسم آخر يشبهه ، وما دام ثمة احد من المعلمين والطلاب والطالبات لم يتعرف عليه ؟؟...
التحري يقول في تقريره ان احمد محتال ! بدأ القلق من جديد يساور قلب الفتى اليافع ، وكان الميتم الاسلامي في طرابلس لا يفتأ يطالب به فيرفض هو الذهاب وحملته الانسة عرمان اكثر من مرة الى دار عضوة الصليب الاحمر السيدة نجلا صعب فكانت قصته تثير الشفقة والدموع !.. وتحمس كل من سمع القصة لمساعدته . ولكن كيف السبيل الى مساعدته وهو مجهول الهوية ليس في العالم من يطالب به ولا من ذراعين ينفتحان في وجهه ليضماه في حنان ؟؟ وانتخى السيد رضا التسامر العضو في الصليب الاحمر ايضاً واوعز الى احد افراد التحري بمرافقته شهراً كاملاً ... وهكذا صار ، ووضع التحري تقريراً مفصلاً خلاصته ان احمد هو مجرد نصاب محتال يختلق الاكاذيب والاراجيف التي لا ترتكز الى اصل !!..
في مستشفى العازارية : وكان لا بد من مغادرته دار الآنسة عرمان فسعى مكتب الصليب الاحمر في نقله الى مستشفى العازارية حيث مكث تحت عهدة الدكتور شديد وهنا في جو الراهبات الدافئ الرفيق استعاد احمد
هدوء اعصابه وتعاون مع الجميع في انجاز بعض الاعمال بالمستشفى - لكن الدكتور شديد اعطى تقريراً امتدح فيه سلوك احمد الممتاز ؛ واثنت الراهبات على شهادته ، مما حمل المهتمين به الى القول بان المستشفى لا يجب ان يكون مقره الدائم - والمدرسة الداخلية هي وحدها الحل ..
في الكلية الداودية بعبيه : واثرت مساعي السيدة نجلا صعب لدى الشيخ عارف النكدي ، بالموافقة على قبوله في كلية الداودية بعبيه بقسط مخفض يدفعه الصليب الاحمر - وتم تجهيز احمد بالثياب اللازمة ودخل الكلية في ٢٩ ايلول سنة ١٩٥٦ وكان يتلقى مصروف جيبه الاسبوعي ( خرجيته ) من الصليب الاحمر ايضاً وقدرها نصف ليرة لبنانية لكن احمد لم يتأت له الاطمئنان وكان في هذه الآونة يعاني حالة نفسية مضنية تتجلى في رسالة كتبها الى والده من الكلية الداودية يتذمر فيها من ضيق يده ومن ثيابه « الكاكية » التي لا تتناسب مع ثياب رفقائه الداخليين - ويطالب اباه بخرجية محترمة ليتمكن من النزول الى بيروت وشراء الثياب التي يريد من عند « الفا » اسوة باصحابه .. وينهي كتابه بتهديد والده فيقول بالحرف الواحد :
« لا يوجد عندي قميص كوي مثل العالم ، لهذا انبتك يا ابي بهذه الرسالة ، لا بشكل تهديد بكل جد وصدق ، واذا لم تحضر هذه الاغراض او ترسل لي دراهم لاشتريهم فانني سأعمل الذي اريده وسترى كيف يموت ويفضح اباه بعد موته ... يجب ان ترسلوا لي على الاقل ليرة ونصف بالاسبوع ، اما تخافون يسوع ؟ سلامي الى ماما والى اخوتي والسلام من ابنك المطيع - احمد » .
فكأن احمد في الكلية الداودية كان يتحرّق الى الظهور امام رفاقه بمظهر كبير - سبيله الى ذلك كثرة الثياب الفاخرة والنزول الى بيروت ! فاتخذ هذه اللهجة العنيفة في مخاطبة ابيه وكان المفروض الان انه قد انتهى الى الفهم بان اباه لم يعد حياً ... ولعله كان ما يزال يأمل في اعماق قلبه ان يعثر على اهله ويعود الى حياته العائلية السعيدة ، لان ازمته ، بعد كتابة هذه الرسالة ، اخذت تزداد وتضيّق عليه الخناق ، حتى هج من الداودية وهرب ولم يكن قد مرّ على دخوله اكثر من شهر ... ولما انكشف امر هربه لادارة الكلية خابرت مكتب الصليب الاحمر ونقلت اليه الخبر ..
هبت الانسة عرمان ملهوفة تتصل بمراكز الشرطة وتعطي اوصاف احمد متوصلة اليهم للبحث عنه ... واخيراً عثروا على احمد في مستشفى «اوتيل ديو» فخفت لنجدته المساعدة الاجتماعية للصليب الاحمر مع الممرضة نهاد غنطوس ... هل وجدتاه لا يزال في المستشفى ؟ ولم يساق الى حياة التشرّد هذا الفتى الحسن الوجه رغم العناية الجيدة المتوفرة له ؟ .. ايكون سبب قلقه حاجته الى عطف ابوي واستقرار ؟؟ وهل سيجد اخيراً هذا الاستقرار المادي والنفسي ؟؟

