التقفنا حول الفراش ، يختطف كل منا ، بعينيه ، خرقة من الاغطية البيضاء يستتر خلفها !
الفراش قاحل ...
والليل يموج ... ويموج ... ضاربا شبابيك بيتنا . زارعا بردا ذليلاً في عظامنا . غاسلا عتبة بوابتنا الخارجية . مبدداً آثار الاقدام على رصيفنا .
وحشرجت امي تتمنى :
ليت المطر يطهر هذا الفراش ! ليت المطر يطهر اعيننا !
فبكت الطفلة ...
عرفت الطفلة ، ان الفراش مهجور ، وان الصبية الشقراء تركته لنا : نمزقه باسناننا واظافرنا . وسكاكيننا . وبالرصاص اذا اردنا ! تركته لنا ، فلنفرغ فيه ، اذن ، انابتنا . فلنغسل به حقدنا . فلنخنق عنده عنفوان عاداتنا !
وتفت امي كلمات حمراء ، تقطعت من احشائها :
ليتني ... ليتني لم احملها تسعة اشهر في بطني !
شككنا - وكلنا - نظراتنا في بطن الام : في الارض التي انبتت حسناء ملأت حيناً عطراً . وغزلاً . وهمهمات استحسان . وتهديدات تمني ... ثم صعدنا الى صدر امي : الى الثدي الذاوي تحت الثوب الصوفي السميك ، نود نزعه وتمزيقه ، وتجفيف السائل الابيض الذي
نقل الى البنت خصائص الانثى العتيقة ، التي ابتدعتها حواء !
فتلوّت الام مكانها .. وانت تحت قسوة سياط نظراتنا .. واسرعت اختي الطفلة تنفذها ، لتطرح نفسها هي ، عارية ، في لهب معركة الافكار والنظرات !
لماذا لم تلقح ضد الجدري ؟ لماذا هربت ؟ هربت ، لان الفراش وكر تنغل فيه الجرثومات الخطيرة ! لماذا لم تلقحوا لها الفراش ؟
فانقض عليها الاخ الغلام ، يرعد :
اخرسي ! اخرسي ! فهي لم تمرض ، ولم تمت ! ويا ليتها مرضت ، وماتت ! اخرسي ، انت وغدة مثلها ! كلكن سافلات !
تراجعت الطفلة مذعورة ، وانكمشت في الزاوية .. تتجمع في حلقها غيمة بكاء ، تلهت كبرياء بتبديد معالمها .. والأب في زاوية اخرى يابس الشفتين ، مصلوب العينين . يموج على الكرسي ، لا يملك قدرة على مغادرته ، ولا يود مغادرته ، فعلى هذا المقعد بالذات : همست في اذنه شفاه رطبة « انا حامل ! » ..
حرر الوالد العينين المصلوبتين ، يتسلل الى ذات الشفاه الرطبة .. واذا في بطن الأم شكة اخرى آلمتها ، فأنت وتململت مكانها من جديد ، وأعادت الحادثين الى جحيمها .. فعاد الوالد الى ليلة من آذار .. الليلة التي مزق فيها صمت الفجر ،
زعيق امرأة . وولولتها . وايقاع منتظم معهود ، من المقص ، والقفازات الطبية . وتمتمات انامل ، تتلو صلاة . ثم وعوعة طفلة تغمر اروع صباح ، في اروع يوم من آذار ...
وتعلقنا ، جميعاً ، في ذراع الغلام ، وهو يهذي :
اين الخنجر ؟ دعوني اقتلها ! او .. او .. سأقتل نفسي !
فبكت الطفلة ...
وصرخت الأخت الكبرى : يا للعار ! يا للعار .. يا .. نرفضه زوجاً لها : لتشرده في الزقاقات يسعى مخفقاً ، في اثر الغنى ! لهزاله الموروث ، من ابوين معتلين ! للآثام العالقة بمخدعه ، وهو عشيق مراهق سابق ، لامرأة اجنبية ناضجة محترفة !
عندها ،
ازداد اصفرار وجوهنا حدة ، وكمداً !
عندها ،
تآلفت الاصوات ، وامتزجت الافكار ، وانطلقت تحنو بعضها على بعض :
اين الخنجر ؟
بكاء الطفلة ...
صراخ : يا للعار ! يا للعار !
نحيب الأم الفاجر .
بكم الوالد ، وانجرافه في الليالي .. في ليالي السنوات التسعة عشرة .
وعكرت الأخت الكبرى انسجام الجوقة ، تكمل :
نرفضه ، فترضخ هي صاغرة ...
فأسرع الوالد ، ينطق بمعجزة :
فلم اندم على تفتت عظامي لقمات ، غذيتها بها : لتكبر هي ، وليضمر جسدي . لتشفى هي ، ولتداهم العلل جسدي . لينطلق رأسها تياهاً في النور ،

