الذي سار على طريقة باستور في انقاذ صناعة الحرير الطبيعي، تظاهرات الزوجة الوفية باضطرارها الى الخروج لشراء بعض الحاجات المنزلية من السوق، فرافقت زوجها الذي كان مريضاً في ذلك اليوم بالذات جنباً الى جنب حتى مدخل اكاديمية العلوم. وعندما كانت عائدة في طريقها الى بيتها التقت بزميله الحميم بالارد، فرجته ان يسهر على سلامة زوجها العزيز بعد انتهائه من القاء المحاضرة. غير ان المرض اشتد بزوجها اثر رجوعه الى المنزل لدرجة اصبح معها عاجزاً حتى عن الكتابة فأخذت تحرر له مكاتباته ورسائله كافة - وما اكثرها بالنسبة لشخصية لامعة مثله - وتدوّن له كل ملاحظاته عما تنقله اليه ممن كانوا يترددون على زيارته اثناء مرضه. وقد بذلت بالاضافة الى هذا الجهود المضني كل ما في وسعها لتجعله ينعم بالحياة الهادئة التي تمكنه من التغلب على مرضه المفاجئ، حتى تم شفاؤه وعاد الى مزاولة ابحاثه واختباراته من حيث توقف قبل ان يلم به المرض.
كما كان لها فضل المحافظة على التوازن بين قوة زوجها المعنوية النادرة وبين الاعمال التي كان عليه ان ينجزها، وهي وحدها التي حمته من كل انواع القلق والعراقيل التي كانت تعترض طريقه الوعر المملوء بالمخاوف والاخطار واشباح الهزيمة امام العالم المزهو باكتشافات وابحاث احد ابنائه الابرار.
وقد كانت ماضية على الدوام في ابداء استعدادها الصادق للمساهمة في كل متاعبه. ومن ذلك انها في قضية تجاربه للتأكد من قول عالم زميل له بامكان الحصول على خمر بدون خميرة صناعية او
طبيعية تضاف الى العنب - في تلك القضية كانت تقوم بدور المحافظة على القطن الذي لف حول العنب الذي سيجري عليه تجاربه منعاً لدخول جراثيم الهواء فيه. وقد استمرت على القيام بذلك خلال رحلتها الطويلة من الريف الى العاصمة باريس، وجلست يقظى الليلة كلها لتنجز هذا الواجب الخطير فنجحت في ذلك نجاحاً استحقت عليها ثناء زوجها واعجابه بتفانيها في خدمته.
وفي خلال التجربة العامة حول اللقاح الفعال ضد مرض الجرب في الحيوانات الذي اكتشفه زوجها، حيث كان هو احد طرفي هذه التجربة الفريدة من نوعها امام الاف المواطنين الفرنسيين، بذلت هي كل جهدها لتدير دفة تفكير زوجها عن هذا الموضوع الخطير حين اصيب احد الخراف التي جرب اللقاح عليها بمرض الجرب وكان على وشك الموت. وفي الساعة التاسعة من ذلك اليوم وردت اليها برقية حول الموضوع، ومرت لحظة خانتها فيها شجاعتها عن ان تفتحها، ثم تغلبت على مخاوفها ففتحت البرقية لتقرأ بين حروفها والوان الارتباك والبلبلة الشاملة ان الخروف المريض قد استعاد صحته من جديد! وهكذا زفت لزوجها بشرى نجاح مفعول اللقاح على الخراف المجرب عليها كافة، ففرح بتلك البشرى السعيدة فرح الطفل حين تقدم له هدية يتلهف عليها.
ويوم دعي زوجها ليقرأ مقالة عن طرق ابادة واضعاف الجراثيم في مؤتمر الصحة الدولي المنعقد في جنيف، منعت كل من وكل ما يعيق زوجها حتى الراغبين في توجيه الاسئلة اليه. كما رتبت له من
الجهة الثانية نزهة قصيرة مساء كل يوم يقضيها خارج المنزل، واستنسخت له كل ما عنّ له من ملاحظات حول الموضوع الذي كلف به.
ولما قام زوجها بتجربة لقاحه الشهير ضد داء الكلب للمرة الأولى على الصبي المريض (جوزيف ميستر) كان باستور يعاني نوعاً من القلق مصحوباً بأحلام مزعجة حول نتيجة تلك التجربة. ولم تتخل عنه في تلك الفترة، شأنها في ذلك شأن مواقفها الكريمة العديدة السابقة التي اتينا على ذكر قسم قليل جداً منها، فأغدقت عليه القوة المعنوية والتشجيع الخالص بسخاء لا نظير له، حتى تكللت تلك التجربة بالنجاح المرجو له.
